وهكذا يوضح الحق سبحانه أن قلوب الكفرة لا تلين بالإيمان ؛ ولا تُحسِن استقبال القرآن ، ذلك أن قلوبهم مُمْتلئة بالكفر ، تماماً كما حدث من الأقوام السابقة ، فتلك سُنة مَنْ سبقوهم إلى الكفر .
والسُّنة هي الطريقة التي تأتي عليها قضايا النتائج للمُقدِّمات وهي أولاً وأخيراً قضايا واحدة .
ومرة نجد الحق سبحانه يقول: {سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 62]
ونعلم أن الإضافة تختلف حَسْب ما يقتضيه التعبير . ف (سنة الأولين) تعني الأمور الكونية التي قدرها الله لعباده . و (سنة الله) تعني سُنّة منسوبة لله ، ومن سنن الحق سبحانه أن يُهلك المُكذِّبين للرسل إنْ طلبوا آية فجاءتهم ، ثم واصلوا الكفر .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء ...}
وهم قد طلبوا أن ينزل إليهم مَلَكٌ من السماء ؛ لذلك نجد الحق سبحانه هنا يأتيهم بدليل أقوى مِمَّا طلبوا ، ذلك أن نزول مَلَك من السماء هو أسهل بكثير من أن يُنزِلَ من السماء سُلَّماً يصعدون عليه ، وفي هذا ارتقاء في الدليل ؛ لكنهم يرتقون أيضاً في الكفر ، وقالوا: إن حدث ذلك فَلَسوفَ يكون من فعل السحر .
ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم ساحراً لَسحرهم ، وجعلهم جميعاً مؤمنين ، وعلى الرغم من أن مثْل هذا الأمر كان يجب أن يكون بديهياً بالنسبة لهم ، لكنهم يتمادوْنَ في الكفر ، ويقولون: إنه لو نزَّل سُلَّماً من السماء وصعدوا عليه ؛ لَكانَ ذلك بفعل السحر ؛ ولكانَ رسول الله هو الذي سحرهم ؛ وأعمى أبصارهم ، ولَجعلهم يتوهمون ذلك .