فصاحَ بهم السَّدَنَة المستغلُّون للأصنامِ والمقاصيرِ والقبورِ والمَقبُورِين: كيف تصدِّقون هذا الضالَّ السفيهَ، وأَخَذُوا يسبُّون ويَفحُشُون في السبِّ، ويُلِّوحُون لهم برياستِهم، ومشيختِهم، وآبائهم، وشيوخِهم، وجمهورِهم؛ فوقع الناسُ مرَّة ثانيةً تحت تأثيرِهم، وعادوا إلى حظيرةِ تقليدِهم، ثم نُكِسوا على رؤوسِهم؛ أي: عادوا مَنكُوسِين ومعكوسِي الخَلْقِ بهائمَ وأنعامًا مقلِّدة لا تَفقَهُ ولا تَعقِل، بعد أن كانوا قد تنبَّهت إنسانيتُهم بعضَ التنبُّهِ، وبدأت تفهمُ سننَ الله على حقيقتِها، وهكذا الضالُّ غارقٌ في بحرِ الغفلة، كلَّما حاولتْ سنن اللهِ وآياتُه أن تُوقِظَه وتنبِّهَه قَذَفت به أمواجُ التقليدِ بعيدًا في ظلمات الجهل والغفلةِ، وهو مخدوعٌ مغرورٌ، غرَّه شياطينُ الإنس والجنِّ أنه مسلمٌ مؤمنٌ، وأنه مصلٍّ وصائمٌ وحاجٌّ وما إلى ذلك من هذه الأوهام، حتى تَنتَهِيَ به [في] طريق هذا الضلالِ إلى الخسرانِ في الدنيا وفي الآخرة؛ فيتحسَّر ويندمُ ولا ينفعه الندمُ والحسرةُ، وإنما تكونُ زيادةً في شقائه وعذابه.
وما أضلَّت هذه الأصنامُ كثيرًا من الناس لقوَّة ووضوحِ أدلَّتِها وظهورِها عن أدلَّة الحقِّ والتوحيد وإخلاص الدين للهِ ربِّ العالمين، كلاَّ والله، فليس لها أيُّ دليل، ولا يستطيعُ جميعُ
شياطينِ الجنِّ والإنسِ من أوَّلهم إلى آخرهم أن يُقِيموا عليها برهانًا واحدًا، ولكنها كما قال الله:
{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23] .
وقال: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [يونس: 66] ، وغير ذلك في القرآنِ كثيرٌ، فضلاً عما في الوجودِ كلِّه من آياتٍ على أنها أوهامٌ وخيالاتٌ كاذبةٌ.