والضالُّ: التائهُ الذي سَلَك طريقًا يظن أنه يبلغُ به إلى غايتِه ومقصودِه؛ فينتَهِي به إلى عكسِ غايتِه، ونقيضِ مقصودِه، وما يَضِلُّ الضالُّ ولا يَتُوهُ التائهُ إلا بما يَغلِب عليه من الغفلةِ التي يَكونُ بها في شبهِ تخديرٍ وغيبوبةٍ وسُكْرٍ، فيَذهَبُ مُغِذًّا في السيرِ على غير هدًى ولا تعقُّل ولا تبصُّر، لا يَلتَفِت إلى معالِم الطريق، ولا يتحرَّى صُوَاه ومنارَه، ولا يسألُ ذا خبرةٍ ودرايةٍ، ومن أين له أن يَعرِف ذا الخبرةَ والدرايةَ، وهو غارقٌ في بحرٍ من الغفلةِ لا يَدرِي رأسَه من رِجلَيه؟ بل هو كما وصف الله قومَ إبراهيمِ؛ إذ أَفحَمهم بحجَّته القاطعةِ حين راغ على آلهتِهم ضربًا باليمينِ، فجَعَلهم جُذَاذًا إلا كبيرًا لهم، فسألوه: أأنتَ فعلتَ هذا بآلهتِنا يا إبراهيم؟ فقال لهم: فاسألُوهم إن كانوا كما زعمتموهم يَستَجِيبون دعاءكم، فيَكشِفُون الضرَّ عنكم، ويَفعَلُون لكم ويَعقِلُون، فهم - في زعمِكم - قادرون أن يُجِيبوا ويَنطِقُوا، أمَّا إذا عقلتم وثُبْتُم إلى
رشدِكم وعرفتم أن اليدَ التي كَسَرت هذه الأخشابَ والأحجارَ هي مثلُ اليدِ التي نحتتها وصوَّرتها على هذه الأشكالِ باسمِ سيِّدكم فلان ووليِّكم فلان، وأن فلانًا وفلانًا هؤلاءِ، لا عَلاقةَ ولا صلةَ لهم بها أصلاً، ولا يَحضُرُونَ عندها، ولا يَقُومُون من قبورِهم للدفاعِ عنها، ولو كان كذلك لمَنَعُوها وحَمَوها من هذا التكسيرِ والإهانةِ والتحقيرِ، فعندئذٍ رَجَعوا إلى أنفسِهم، واستَيقَظ عقلُهم من الغفلةِ، وثَابَت نفوسُهم من مجاهل الضلال والتقليدِ الأعمى للسادة والرؤساء والشيوخ والآباء، فقالوا:
إنكم أنتم الظالمونَ لأنفسِكم بتعظيمِ وتقديسِ هذه الأخشابِ والأحجارِ.
والظالِمون لإبراهيمَ بتسفيهِكم لقولِه الحكيم الرشيد.
والظالِمون لهذه الأخشابِ التي خَلَقها الله ليُصنعَ منها الكراسي والسقوفُ ونحوها، لما يستخدمُه الإنسانُ في منفعتِه، ويسخِّره في حاجتِه، فظلمتُموها بوضعِكم لها في غير الموضع الذي خَلَقها له العليمُ الحكيم، وعطَّلتموها عن عملِها ووظيفتِها التي جعلها الله لها.