إن الذي أخرجَ إبراهيم حيًّا الحياةَ الإنسانيةَ الكريمةَ، مؤمنًا بهذه الحياةِ، مقدِّرًا لها، شاكرًا نعمة ربِّه فيها - من وسط هذه البيئة التي ضرب عليها التقليدُ نطاقًا ضيقًا، وسجَنها في غَيِّهِ المُظلِم، حتى ماتت إنسانيتُها العاقلة المفكِّرة البصيرة السمعية، فخرَّت صَرْعَى، لا تُحسُّ إلا بهيميتها، ولا تعرفُ إلا المادَّة الجامدةَ الميتةَ تعبدُها وتقدِّسها، وتتشبَّث بخيوطِها الواهنة، وطال عليها الأمدُ في هذا الموتِ حتى جُيِّفَت منها القلوب، وأَنتَنت في قبورِ الصدورِ المظلمةِ الحاقدةِ المكذِّبة لربِّها وحكمته ونعمه وآياته - نَعَمْ إن الذي أخرجَ إبراهيمَ حيًّا قويَّ الحياةِ بإنسانيته العاقلة المفكِّرة؛ هو الذي يُخرِج الحيَّ من الميِّت، ويُخرِج الميِّت من الحيِّ، ويَرزُق مَن يشاء بغير حسابٍ: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20] .
نَعم، إن الذي أخرجَ إبراهيمَ كذلك، وهيَّأه وأعدَّه بذلك للسفارةِ بينه وبين خَلقِه، لتبليغ رسالة ربِّه، ولتطهيرِ الأرض من هذه الأصنامِ التي أضلَّت كثيرًا من الناسِ، حتى أباه وأُسرتَه - هو الذي أخرجَ آدمَ من طينٍ لازبٍ، ومن صَلْصَالٍ كالفخَّارِ، وأخرج موسى من الأمة الذليلةِ الحقيرةِ التي كان يَسومُها فرعونُ وآلُه سوءَ العذاب، يذبِّحون أبناءهم، ويَسْتَحْيُون نساءَهم، وهو الذي ربَّى موسى ونشَّأه في بيتِ الجبَّار الطاغي فرعونَ، وفي كفالتِه، وعلى مائدتِه، وتحت رعايتِه، وهو الذي أخرج عيسى ابنَ مريمَ الصدِّيقةِ القانتةِ لربِّها من غير أن يمسَّها بشَرٌ، وهو الذي أخرجَ محمدًا خاتمَ المرسَلين من بيتِ الرياسةِ لدين الوثنيةِ وعبادةِ اللاتِ والعُزَّى ومناةَ الثالثةِ الأخرى، فلقد سمَّى عبدُالمطَّلب ولدَه عبدالعُزَّى - أبا لهبٍ - وما يسمِّي عبدَالعزى إلا مَن كان هو عبدًا للعُزَّى وغيرها من الأوثانِ الأصنام.