وأن الله قد آتى عبدَه كلَّ أسباب النجاح والظَّفر في هذا الابتلاء والامتحان؛ فالمؤمن لذلك دائمُ التنبهِ واليقظةِ والحذرِ، آخذٌ سلاحَه، لا يُعطِي عدوَّه من نفسه فرصةَ غفلةٍ ولا غرورٍ بنفسه ولا بعمله، وهو مرابطٌ دائمًا على ثغرِ دينِه، وحارس متفطِّن لمَتْجَرِه، وهو يرى نفسَه من الضعف والعجز - مهما تنبَّه واحتاط - بحيث يقدرُ العدوُّ عليه فيغلبُه بأقلِّ حركةٍ، إن لم يتداركْه القويُّ العزيز بمعونتِه وتوفيقِه وتسديده، فهو دائمًا لاجئٌ إلى ربِّه، لائذٌ بابه، متعلِّق بكل أسبابه، يسألُه في ذلٍّ وفقرٍ ومسكنة:"يا مقلِّب القلوبِ، ثبِّت قلبِي على دينِك، لا تَكِلْنِي إلى نفسي طرفةَ عينٍ، أَكُنْ من الهالكين"، فهنيئًا بالنصرِ والتأييدِ والمعونةِ والتوفيقِ من اللهِ القويِّ العزيزِ لمن اقتدى بإبراهيم ومحمدٍ - صلَّى الله عليهما اللذين قد اتخذهما الله خليلينِ - وجعَلهما في عبوديتِهما لربِّهما وضراعتِهما لحبيبِهما أحسنَ أسوةٍ له، واتَّخذهما له في كلِّ أمره إمامًا، وجعلنا الله كذلك.
• وقول إبراهيم - عليه السلام: {وَبَنِيَّ} ؛ أي: أسألُك يا رب أن تجنِّب وتُبْعِد بَنِيَّ أن يعبدوا الأصنام، وكذلك شأن المؤمن العالِق يَدعُو لبَنِيه هذه الدعوةَ التي هي أنفع دعوة للدنيا
والآخرة، وأن الإنسان المؤمن بكل آياتِ ربِّه ونعمه عليه والمقدِّر الشاكر لها - يَعلَمُ ما هو أنفعُ شيءٍ له ولبنيه، فيسألُه ربَّه، ويعملُ بكلِّ ما أعطاه الله من قوًى وأسبابٍ في تحصيلِ ذلك لنفسِه ولبنيه، وتجنيبُ الأصنام لا يكونُ إلا بالعلمِ بما يَجلِب الاعتقادَ في سرِّها وتأثيرِها وبركتِها من ارتكاسٍ في حمأة الجهالةِ، وانتكاسٍ للإنسانية ترتدُّ به إلى أسفل سافلين، وتفسد به فطرتُها، وتشوَّه كل الحقائق في نظرِها الأسود، ويكونُ معتقدُها أشقى الأشقياء، وأبأسَ البائسين، وأخبثَ المسيئين في الأخلاقِ والأعمالِ، ويكفي في قبحِها ما وصفها الله - تعالى - به في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] .