والمعنى: الله الذي يستحق منكم العبادة هو الإله الذي أبدع واخترع وأوجد السماوات السبع على غير مثال سبق، وأوجد ما فيها من الأجرام العلوية، وخلق الأرض وما فيها من المخلوقات، وقدم السماوات على الأرض؛ لأنها بمنزلة الذكر من الأنثى، وبدأ بذكر خلق السماوات والأرض؛ لأنهما أعظم المخلوقات الشاهدة الدالة على وجود الصانع المختار القادر الحكيم. {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} ؛ أي: من السحاب، فإن كل ما علاك سماء، أو من الفلك، فإن المطر منه يبتدئ إلى السحاب، ومنه إلى الأرض على ما دلت عليه ظواهر النصوص، وهذا القول أرجح عند بعضهم؛ لأن الله تعالى زاد بيان نعمه على عباده، فبين أولًا خلق السماوات والأرض، ثم أشار إلى ما فيها من كليات المنافع، لكنه قدم وأخر كتأخير تسخير الشمس والقمر؛ ليدل على أن كلا من هذه النعم نعمة على حدة، ولو أريد السحاب لم يوجد التقابل التام وأيًّا ما كان، فـ {مِنَ} ابتدائية {مَاءً} ؛ أي: نوعًا من أنواع الماء، وهو المطر، فتنكير الماء هنا للنوعية {فَأَخْرَجَ بِهِ} ؛ أي: فأنبت بذلك الماء الذي أودع فيه القوة الفاعلية، كما أنه أودع في الأرض القوة القابلية {مِنَ الثَّمَرَاتِ} المتنوعة {رِزْقًا لَكُمْ} يا بني آدم تعيشون به، وهو بمعنى المرزوق شامل للمطعوم والملبوس، وهو مفعول به لـ {أخرج} و {من} للتبيين حال منه، كقولك: أنفقت من الدراهم ألفًا؛ أي: رزقًا هو الثمرات، و {لَكُمْ} صفة له. وقيل: للتبعيض؛ لأن الثمرات منها ما هو رزق لبني آدم، ومنها ما ليس برزق لهم، وهو ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به، كأنه قيل: أنزل من السماء بعض الماء، فأخرج به بعض الثمرات؛ ليكون بعض رزقكم. والمعنى: الله الذي خلق لكم السماوات والأرض هنا أكبر خلقًا منكم، وفيهما من المنافع لكم ما تعلمون وما لا تعلمون وتقدم تفصيل هذا في مواضع متعددة من كتابه الكريم، وأنزل من السماء غيثًا أحيا به الشجر والزرع، فأثمرت لكم رزقًا تأكلون منه وتعيشون به.