ولما ذكر الله سبحانه وتعالى إنعامه بإنزال المطر وإخراج الثمر، لأجل الرزق والانتفاع به من ذكر نعمته على عباده بتسخير السفن الجارية على الماء؛ لأجل الانتفاع بها في جلب ذلك الرزق الذي هو الثمرات وغيرها من بلد إلى بلد آخر فهي من تمام نعمة الله على عباده، فقال: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ} ؛ أي: وذلل لكم السفن - جمع ذلك بمعنى سفينة - بأن أقدركم على صنعتها واستعمالها بما ألهمكم كيفية ذلك {لِتَجْرِيَ} ؛ أي: تلك الفلك والسفن {بِأَمْرِهِ} ؛ أي: بإرادته إلى حيث توجهتم وانطوى في تسخير الفلك تسخير البحار وتسخير الرياح. وفي"أنوار المشارق": يجوز ركوب البحر للرجال والنساء عند غلبة السلامة، كذا قال الجمهور، وكره ركوبه للنساء؛ لأن الستر فيه لا يمكنهن غالبًا ولا غض البصر عن المتصرفين فيه، ولا يؤمن من انكشاف عوراتهن في تصرفهن لا سيما فيما صغر من السفن مع ضرورتهن إلى قضاء الحاجة بحضرة الرجال.
والمعنى: أي وذلل لكم السفن بأن أقدركم على صنعها وجعلها طافية على وجه الماء تجري عليه بأمره تعالى، وسخر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها المسافات الشاسعة من إقليم إلى إقليم؛ لجلب ما هناك إلى هنا ونقل ما هنا إلى هناك {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} ؛ أي: المياه العظيمة الجارية في الأنهار العظام تشق الأرض شقًّا من قطر إلى قطر، وتسخيرها: جعلها معدة لانتفاعكم بها حيث تشربون منها، وتتخذون منها جداول تسقون بها زروعكم وحدائقكم وما أشبه ذلك. ولما كان ماء البحر لا ينتفع به في سقي الزرع والثمرات ولا في الشراب أيضًا .. ذكر نعمته على عباده في تسخير الأنهار، وتفجير العيون؛ لأجل هذه الحاجة، فهو من أعظم نعم الله على عباده. قال في"بحر العلوم": اللام فيها للجنس أو للعهد أشير بها إلى خمسة أنهار: سيحون: نهر الهند، وجيحون: نهر بلخ، ودجلة والفرات: نهري العراق، والنيل: نهر مصر، أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة، فاستودعها الجبال، وأجراها في الأرض، وسخرها للناس، وجعل فيها منافع لهم في أصناف معاشهم، وسائر الأنهار تبع لها، وكأنها أصولها. انتهى.