قَطَع بهم شوطًا خيَّل لهم السرابَ ماءً، وأنه أصبح منهم قريبًا، وما زال يطوفُ بهم في خرباتِ الجهلِ ومتاهاتِ الهوى والبغي، وما زال العقلُ منكوسًا، والرأي خاطئًا؛ حتى خرج بهم أخيرًا بإلهٍ من صنعِه، وهو مرَّة: العقلُ الأولُ، ومرَّة: الوجودُ الكُليُّ، ومرَّة: الوجودُ المطلق، ومرَّة: الهَيُولَى الكلي، ومرَّة: العنصر الكلي الذي انفصلت عنه هذه الموجوداتُ، ومرَّة: الشيءُ الذي لا يوصَف بأيِّ صفة، ولا يُعرَف بأي نوعٍ من المعرفة إلا بنوعٍ من كشف الحُجبِ، التي أقامها حولَ العامَّة في ظلماتِ هذا الجسمِ الكثيفِ، وتجلِّي الأرواح حين تنسلخُ من ظلماتِ المادَّة، وتتجرَّد من قيود البشريةِ، بأنواعٍ من الرياضياتِ والخلواتِ وتعذيبِ الجسمِ، وتجويعِه، فتعرفه عندئذٍ أنه هو هو، ثم أوحى إليهم أن ربَّهم الذي صَنَعه لهم بوحيه وغرورِه، قد فاض منه هذا الوجودُ فيضًا، وانفصل عنه انفصالاً، بلا إرادةٍ ولا مشيئةٍ ولا حكمة، ففاض عنه أولاً الوجود الثاني، الذي كان منه كلُّ الموجوداتِ بعد ذلك، ثم أوحى إليه في كلِّ عصرٍ بصورةٍ مزخرفةٍ لهذا الوجود الثاني، بحسب ما يروق لهم، ويَرُوجُ عندهم:
• فعند البراهمةِ: هو"برهما".
• وعند البوذيين: هو"بوذا".
• وعند اليهودِ: هو"يعقوب"، ثم بنُوه، وما تناسَل منهم.
• وعند النصارى: هو"عيسى".
• وعند الباطنية: هو"علِيٌّ".
ثم فاض هذا النور، أو حلَّت رُوحُه في كهنةِ:"براهما"، و"بوذا"، و"أبناء يعقوب"، وأحبارِهم وكهنتِهم، وفي"القسيسين والرهبان"، وفي"أبناءِ عليٍّ"ومَن عبدهم واتخذهم آلهةً، وفي"شيوخ الصوفية وأئمتهم"، واقرأ بتدبرٍ قولَ الله - تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة: 18] .