وأنت إذا ثُبْتَ إلى رشدِك، وخَلَعت رِبْقَةَ التقليدِ الأعمى، وكَشَف اللهُ عن بصيرتِك حُجُبَ الجهلِ والعَمَهِ، وصقلتْها بجلاءِ التفكُّر في آياتِ الله الكونية والقرآنية، فآمَنتَ بنعمةِ الله في إنسانيتِك، فقدرتَها وشكرتَها كما يُحِبُّ ربُّك ويَرضَى، ثم بحثتَ الشركَ والمشركين قديمًا وحديثًا من كتابِ الله، وفي الواقعِ تحت سمعِك وبصرِك؛ لعَرَفت يقينًا لا شكَّ فيه أن الشركَ بِوَدٍّ، وسُواعٍ، ويغوثَ، ونَسْرٍ، وبالكواكب وسَدَنتِها، وباللاتِ والعُزَّى ومناةَ، وببُوذَا وبرهما، وبآلهةِ عادٍ وثمودَ، وبآلهة اليونانيين والأَشوريين وقدماءِ المصريين - هو بعينِه الشركُ الواقعُ تحت سمعِك وبصرِك بالأولياءِ وقبورِهم وآثارِهم حذوك النعل بالنعلِ، وأن اختلافَ أسماءِ العابدينَ والمعبودينَ، لا يغيِّر حقيقةَ هذا الشركِ وما تحته من أنواعِ العباداتِ الوثنيةِ وهياكلِها وطقوسِها وأعيادِها.
ذلك أن الإنسانَ هو الإنسانُ، وأن الشيطانَ هو الشيطانُ، وأن الدينَ الحقَّ في رسالةِ نوحٍ هو الدينُ الحقِّ في رسالةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وأن أعداء الأنبياءِ هم أعداءُ الأنبياءِ، وعداوةَ اللهِ هي عداوةُ اللهِ: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19] .
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ
بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: 213] .