حتى إِذا يئس من إِيمان قومه ، جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصاً ، فقال: يا بني ، انظر هذا الشيخ لايغررك ، قال: ياأبت أمكني من العصا ، فأخذها فضربه ضربةً شجه مُوْضِحَةً ، وسالت الدماء على وجهه ، فقال رب قد ترى مايفعل بي عبادك ، فإن يكن لك فيهم حاجة فاهدهم ، وإِلا فصبِّرني إِلى أن تحكم ، فأوحى الله إِليه {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} إِلى قوله: {واصنع الفلك} ، قال: يارب ، وما الفلك؟ قال: بيت من خشب يجري على وجه الماء أُنجّي فيه أهل طاعتي ، وأُغْرِق أهل معصيتي ، قال: يارب ، وأين الماء؟ قال: إِني على ما أشاء قدير ، قال: يارب ، وأين الخشب؟ قال: اغرس الشجر ، فغرس الساج عشرين سنة ، وكفّ عن دعائهم ، وكفُّوا عنه ، إِلا أنهم يستهزئون به ، فلما أدرك الشجر ، أمره ربه ، فقطعه وجفَّفَه ولفَّقَه ، فقال: يارب ، كيف أتخذ هذا البيت؟ قال: أجعله على ثلاث صور ، رأسه كرأس الطاووس ، وجؤجؤه كجؤجؤ الطائر ، وذنبه كذنب الديك ، واجعلها مطبقة ، وبعث الله إِليه جبريل يعلمه ، وأوحى الله إِليه أن عجِّل عمل السفينة فقد اشتد غضبي على مَنْ عصاني ، فاستأجر نجارين يعملون معه ، وسام ، وحام ، ويافث ، معه ينحتون السفينة ، فجعل طولها ستمائة ذراع ، وعرضها ثلاثمائة وثلاثين ذراعاً ، وعلوها ثلاثاً وثلاثين ، وفجَّرَ الله له عين القار تغلي غلياناً حتى طلاها.
وعن ابن عباس قال: جعل لها ثلاث بطون ، فحمل في البطن الأول الوحوش والسباع والهوام ، وفي الأوسط الدواب والأنعام ، وركب هو ومن معه البطن الأعلى.
وروي عن الحسن أنه قال: كانت سفينة نوح طولها ألف ذراع ، ومائتا ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع.
وقال قتادة: كانت فيما ذُكر لنا طولها ثلاثمائة ذراع ، وعرضها خمسمائة ذراع ، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً.