وروي عن كاتب لطاهر بن حسين قال: ولّى طاهر بعض النواحي رجلا، فقال لي: اكتب عهده، واترك في أسفل القرطاس فضلا. ففعلت، فأخذ العهد وكتب في أسفله:
اعمل صوابا تنل بالحزم ماثرة ... فلن يذمّ مع التّقدير تدبير
فإن هلكت مصيبا أو ظفرت به ... فأنت عند أولي الألباب معذور
وإن هلكت على جهل وفزت به ... قالوا: جهول أعانته المقادير
أنكد بدنيا ينال المخطئون بها ... حظّ المصيبين والمغرور مغرور
دخل الخيار بن أوفى النّهديّ وكان كبير السنّ إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال له: لقد غيّرك الدّهر؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، ضعضع قناتي، وشيّب سوادي، وأفنى لداتي، وجرّأ عليّ أعدائي، ولقد غنيت زمانا أزور الكعاب، وأسئل الثّياب، وأحسن الضّراب، وآلف الأحباب، فنأى الشّباب عنّي، ودنا الموت منّي.
وحذّر رجل من الحكماء صديقا له صحبه آخر، فقال: يا فلان، احذر فلانا، فإنه كثير المسألة، حسن البحث، لطيف الاستدراج، يحفظ أوّل كلامك على آخره، ويعتبر ما أخّرت بما قدّمت، فلا تظهرنّ له المخافة، فيرى أنك قد تحرّزت وتحفّظت.
واعلم أنّ من يقظة الفطنة إظهار الغفلة مع شدة الحذر، فباتّه مباتّة الآمن، وتحفّظ منه تحفّظ الخائف، فإن البحث يظهر الخفيّ، ويبدي المستتر الكامن.
قال إسحاق: قلت لزهراء: ما رأيت من نساء العرب أفصح منك ولا أبلغ، يا زهراء، ما خبر أمير المؤمنين؟ قالت: جال بالناس جولة
وحطّ بهم حطّة حرّكت السّاكن، وأيقظت النائم، وأخافت الآمن، وأتت على نفس المريب. قلت: فما خبر ابن أبي داود؟ قالت: قعقع له بالشّنان يمنة ويسرة، حتّى لقد أحيط به. قلت: فما خبر ابن عبد الملك؟ قالت: يسره أرضه بحج بطين بصهر إلى هذه الذخائر فيفطن لها ثم يتمم عليها. قلت: فما خبر الناس؟ قالت: تنتقض أنفاشهم فإذا فرغوا هدؤا.
قلت لها: فأين منزلك؟ قالت: ما لي منزل، إنما أشتمل باللّيل إذا عسعس، وأظهر في النهار إذا تنفّس. ثم اتّخذت منزلا. فقلت لها: كم بيننا وبين منزلك؟ قالت: أمّا على كسلان وإن فساعة، وأمّا على ذي حاجة فقريب.
كتب ابن السّمّاك إلى عمرو بن بانة: «إنّ الدهر قد كلح
فجرح، وجمح فطمح، وأفسد ما أصلح، فإن لم تعن عليه فضح».