قال المدائني: دخل عمرو بن أميّة الضّمريّ على النجاشيّ، فكلمه بكلام كثير، فكان ممّا حفظ من كلامه: إنّا وجدناك كأنك من الرّقّة علينا منّا، وكأنّا في الثقة بك منك، لم نرجك لأمر قطّ إلّا نلناه، ولم نخفك عليه إلّا أمنّاه.
وعن العتبي قال: قال عثمان بن عتبة بن أبي سفيان: أرسلني أبي إلى عمّي أخطب إليه ابنته، فأقعدني إلى جانبه، ثم قال: مرحبا بابن لم الده، أقرب قريب، خطب إليّ أحبّ حبيب، ولا أستطيع له ردّا، ولا أجد من تشفيعه بدّا، وقد زوّجتكما، وأنت أكرم عليّ منها، وهي ألوط بقلبي منك، فأكرمها يعذب على لساني ذكرك، ولا تمتهنها فيضع عندي قدرك، وقد قرّبتك مع قربك، فلا تباعد قلبي من قلبك.
قال أبو الحسن المدائني: وقع ميراث بين أبي سفيان وبين مروان، فتشاجرا فيه وتضايقا. فلمّا قاما أقبل عمرو بن عتبة على ولده، فقال:
إن لقريش درجا تزلّ عنها أقدام الرجال، وأفعالا تخشع لها رقاب الأموال، وألسنا تكلّ عنها الشّفار المشحوذة، وغايات تقصر عنها الجياد المنسوبة، ثم إنّ ناسا منهم تخلّقوا بأخلاق العوامّ، فصار لهم رفق في اللّؤم، وخرق
في الحرص، لو أمكنهم قاسموا الطّير أرزاقها، إن خافوا مكروها تعجّلوا له الفقر، وإن عجّلت لهم نعمة أخّروا عليها الشكر، أولئك أنضاء فكر العقل، وعجزة حملة الشّكر.
كتب معاوية بن أبي سفيان إلى أخيه عتبة، وهو على مصر، في أقوام يعاقبهم ولا يراجعه فيهم. فكتب إليه عتبة: «يا أمير المؤمنين، على أداء حقك أستعين الله، وبه على جميع أمري أتوكّل، وأنا مقيّد بكتابك، وصائر إلى أمرك، ومتّخذه إماما إذا أمّ الحزم، فإذا خالفه فعندها لم تغب عمّا شهدت، ولم يدخل عليك ضرر ما فعلت، ولقد علم الناس قبلي أنّ زنادني ذكيّة الشّعل لمن عاداك، وأن جناي أحلى من العسل لمن والاك، فثق بذلك لهم
وعليهم، وإياك أستكفي لك من كفاني بك.
وقال عمرو بن العاص لابنه: يا بنيّ إمام عادل خير من مطر وابل، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم.
قال المدائني: قدم محمد بن عبد الله بن عطارد الدارميّ في سبعين راكبا على الحجّاج وافدا، فاستزارهم عمرو بن عتبة، فقال له محمد بن عبد الله:
يأباسفيان، ما بال العرب تطيل كلامها وتقصّرونه معشر قريش؟ فقال: الجندل يرمي بالجندل، إنّ كلامنا يقلّ لفظه ويكثر معناه، يشفي بأولاه ويحيي