وحين يخبرنا القرآن الكريم بحدث ماضٍ لم يشهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يتعلمه ، ولم يقرأ عنه ؛ إذن: فالقرآن إنما يخرق أمامنا حجاب الزمن الماضي . وإذا أخبر القرآن بحدث حاضر في غير مكان نزوله على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا خرق لحجاب المكان مثل قول الحق سبحانه:
{وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8] .
وحين سمع المنافقون والكفار هذا القول الكريم ، لم ينكروا أنهم قالوا في أنفسهم ما جاء به القرآن ، وهكذا خرق القرآن حاجز المكان في أنفسهم هم .
إذن: فأخبار الغيب في القرآن إما خَرْقٌ لزمان ماضٍ أو خرق لزمان الحال ، وإما خرق الزمان ومكان الاستقبال .
ونحن نعلم أن القرآن كان ينزل والمسلمون ضعاف ، لا يستطيعون حماية أنفسهم ، ولا أحد يجير على أحد ، ويتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ليعرض الإسلام على أهلها ، لعلَّه يلتمس لهم مجيراً من أهل الطائف ؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم لا يجد إلا الإيذاء والإعراض ، ويوصي بعضاً من صحابته أن يهاجروا إلى الحبشة .
وفي ظل كل هذه الأزمات ، ينزل قول القرآن: {سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} [القمر: 45] .
حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستاءل: أيُّ جمع هذا الذي يهزم ، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ ثم تأتي غزوة بدر ويشهد عمر هزيمة وفرار مقاتلي قريش ؛ فيرى رأي العين صدق ما جاء به الوحي من قبل .
وهكذا تأكد الجميع أن القرآن الكريم غير مُفتريً ، فكيف يُتَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه افتراه؟