إن الناس يواجهون عادة النفير بأحد موقفين. إما بالاندفاع له، وإما بالاستئذان عن المشاركة فيه، وهذا ما حدث يوم تبوك إذ استأذن الكثير عن الخروج، واندفع المؤمنون الصادقون للخروج، وقد حكم الله على الذين استأذنوا دون عذر بالنفاق وفتح لهم باب التوبة، ولم يستثن من الحكم بالنفاق إلا ثلاثة كانوا صادقي الإيمان، فعوملوا معاملة العصاة كما سنرى، والمقطع يعرض ظاهرة - فيما يعرض - الاستئذان وكيف قابلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعتاب الله له عليه الصلاة والسلام على إذنه لمن استأذن وحكم هؤلاء المستأذنين فقال:
لَوْ كانَ عَرَضاً العرض هو ما يعرض للإنسان من منافع الدنيا قَرِيباً أي سهل المأخذ وَسَفَراً قاصِداً أي وسطا مقاربا، والسفر القاصد هو المعتدل والمعنى:
لو كان إلى مغنم سهل وسفر معتدل لَاتَّبَعُوكَ أي لوافقوك في الخروج وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ أي المسافة الشاطة الشاقة وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ أي سيحلف المتخلفون عند رجوعك من الغزوة معتذرين لَوِ اسْتَطَعْنا استطاعة عدة أو
استطاعة أبدان لَخَرَجْنا مَعَكُمْ وفي الآية دليل من دلائل النبوة لأنه أخبر بما سيكون بعد القفول فقالوا كما أخبر يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ أي بالحلف الكاذب وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي فيما يقولون
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ هذا من لطف العتاب إذ صدر بالعفو الخطاب لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ هذا بيان لما استحق به أن يخاطب بالعفو الذي يفيد سبق ما يحتاج إلى عفو، ومعناه: ما لك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلوا لك بعللهم وهلا استأنيت بالإذن حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ أي حتى يتبين لك الصادق في العذر من الكاذب فيه