أ - قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبابا، جهزوني يا بني، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير فدفنوه فيها.
ب - أخرج ابن جرير قال حدثني حبان بن زيد قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو - وكان واليا على حمص قبل الأفسوس - إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيرا هرما قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار فأقبلت إليه فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك، قال: فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا ألا إنه
من يحبه الله يبتليه ثم يعيده الله فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله عزّ وجل»
وبمناسبة هذه الآية نذكر هذا الحديث عنه عليه الصلاة والسلام قال: «تكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة» . ولنفرض أن أحدا وجد كراهة في نفسه للجهاد وتثاقلا عنه، فعليه في هذه الحالة أن يجاهد نفسه ويحملها على الجهاد، كما ينبغي أن يفعل ذلك في كل شيء فرضه الله عليه، روى الإمام أحمد عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «أسلم قال:
أجدني كارها. قال أسلم وإن كنت كارها».
وبعد أن بين الله عاقبة ترك النفر وعقوبته، وأمر بالنفير العام. بدأ يعالج ظاهرة التخلف وما يحيط بها من خلال ما حدث في غزوة تبوك التي كانت النفير الأقسى في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدث يومها من تخلف، وما حدث خلالها من وقائع إنما هي النماذج الخالدة لما يحدث عند إعلان النفير، وما يكون خلاله، ولذلك يستمر بعرض هذه النماذج إلى نهاية السورة تقريبا.