إذن: فالحق سبحانه وتعالى حين حذرهم بالوعيد نصحهم ، كما تقول لمن يهمل في دروسه: سترسب إذا أهمات دروسك . فتكون بذلك قد خدمت إقباله على المذاكرة . أوصلته بالوعيد إلى أن يتجنب الأمر الذي أوعد به ؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 35 - 36]
هل الشواظ من النار نعمة حتى يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي: فبأي نعم ربك تكذب؟ نقول: نعم إنه نعمة ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى حين يوضح لك: إن خالفت هذا فستذهب إلى النار ، يكون قد قدم لك العظة والنصيحة ، والعظة والنصيحة نعمة ؛ لأنه يجعلك تتجنب طريق النار وتختار طريق الجنة .
إذن: فحين يحذر الله المنافقين والمنافقات بالمصير الذي ينتظرهم ، يكون هذا خيراً ونعمة ؛ لأنهم إذا اتعظوا وأقلعوا عن النفاق إلى الإيمان فهم ينجون أنفسهم من عذاب النار ، وفي هذا خير عميم .
ولذلك استخدم الحق سبحانه وتعالى كلمة"وعد"ولم يستخدم"أوعد"، وتكون الكلمة مؤدية للمعنى الذي أراده الله .
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات} والوعد كما قلنا بشارة بخير مستقبلي ، والوعيد إنذار بشرٍّ يأتي في المستقبل ، والوعد والإيعاد هما ميزان الوجو دنيا وآخرة ؛ لأنك إن وعدت من يلتزم بمنهج الله خيراً ، استحسن الناس جميعاً أن يصلوا إلى الخير باتباعهم المنهج ، وإن أوعدتهم بشر إن خالفوا منهج الله ؛ نفر الناس من المخالفة والمعصية خوفاً من العذاب وتجنبوا الشر . فإن صدق وعدك لأهل الخير بالخير ، وصدق وعيدك لأهل الشر بالشر ؛ استقام ميزان الحياة .