فهذا هو أدب النفس وأدب اللسان ، وأدب الإيمان: الرضا بقسمة الله ورسوله ، رضا التسليم والاقتناع لا رضا القهر والغلب. والاكتفاء بالله ، والله كاف عبده. والرجاء في فضل الله ورسوله والرغبة في الله خالصة من كل كسب مادي ، ومن كل طمع دنيوي.. ذلك أدب الإيمان الصحيح الذي ينضح به قلب المؤمن. وإن كانت لا تعرفه قلوب المنافقين ، الذين لم تخالط بشاشة الإيمان أرواحهم ، ولم يشرق في قلوبهم نور اليقين.
وبعد بيان هذا الأدب اللائق في حق الله وحق رسوله ، تطوعاً ورضا وإسلاماً ، يقرر أن الأمر - مع ذلك - ليس أمر الرسول ؛ إنما هو أمر الله وفريضته وقسمته ، وما الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من رب العالمين. فهذه الصدقات - أي الزكاة - تؤخذ من الأغنياء فريضة من الله ، وترد على الفقراء فريضة من الله. وهي محصورة في طوائف من الناس يعينهم القرآن ، وليست متروكة لاختيار أحد ، حتى لا اختيار الرسول:
{إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل. فريضة من الله والله عليم حكيم} ..
وبذلك تأخذ الزكاة مكانها في شريعة الله ، ومكانها في النظام الإسلامي ، لا تطوعاً ولا تفضلاً ممن فرضت عليهم. فهي فريضة محتمة. ولا منحة ولا جزافاً من القاسم الموزع. فهي فريضة معلومة. إنها إحدى فرائض الإسلام تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدي بها خدمة اجتماعية محددة. وهي ليست إحساناً من المعطي وليست شحاذة من الآخذ.. كلا فما قام النظام الاجتماعي في الإسلام على التسول ، ولن يقوم!