ويعقب على استعراض هذه الصنوف من المنافقين ، ببيان طبيعة النفاق والمنافقين ، ويربط بينهم وبين الكفار الذين خلوا من قبل ، فأهلكهم الله بعد ما استمتعوا بنصيبهم إلى أجل معلوم. ذلك ليكشف عن الفوارق بين طبيعتهم هذه وطبيعة المؤمنين الصادقين ، الذين يخلصون العقيدة ولا ينافقون.
{ومنهم من يلمزك في الصدقات ، فإن أعطوا منها رضوا ، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون. ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ، وقالوا: حسبنا الله ، سيؤتينا الله من فضله ورسوله ، إنا إلى الله راغبون. إنما الصدقات للفقراء والمساكين ، والعاملين عليها ، والمؤلفة قلوبهم ، وفي الرقاب ، والغارمين ، وفي سبيل الله وابن السبيل ، فريضة من الله والله عليم حكيم} ..
من المنافقين من يغمزك بالقول ، ويعيب عدالتك في توزيع الصدقات ، ويدعي أنك تحابي في قسمتها. وهم لا يقولون ذلك غضباً للعدل ، ولا حماسة للحق ، ولا غيرة على الدين ، إنما يقولونه لحساب ذواتهم وأطماعهم ، وحماسة لمنفعتهم وأنانيتهم:
{فإن أعطوا منها رضوا} ولم يبالوا الحق والعدل والدين!
{وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} !
وقد وردت روايات متعددة عن سبب نزول الآية ، تقص حوادث معينة عن أشخاص بأعيانهم لمزوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عدالة التوزيع.
روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصر التميمي ، فقال: أعدل يا رسول الله. فقال:"ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟"فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ائذن لي فأضرب عنقه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم في الرمية..."قال أبو سعيد ، فنزلت فيهم: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} .