وَكَانَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُ: إِذَا تَوَلَّى رَبُّ الْمَالِ قَسَمَهَا كَانَ عَلَيْهِ وَضْعُهَا فِي سِتَّةِ أَصْنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ عِنْدَهُ قَدْ ذَهَبُوا، وَأَنَّ سَهْمَ الْعَامِلِينَ يُبْطِلُ بِقَسْمِهِ إِيَّاهَا، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ تَوَلَّى قَسْمَهَا الْإِمَامُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَهَا عَلَى سَبْعَةِ أَصْنَافٍ، لَا يَجْزِي عِنْدَهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ جَمَاعَةٌ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِيبُونَهُ، وَيَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ سَامِعَةٌ، يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ مَا يَقُولُ فَيَقْبَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ.
وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ أَذَنَةٌ مِثْلُ فَعَلَةٍ: إِذَا كَانَ يُسْرِعُ الِاسْتِمَاعَ وَالْقَبُولَ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ يَقَنٌ وَيَقِنٌ: إِذَا كَانَ ذَا يَقِينٍ بِكُلِّ مَا حَدَثَ. وَأَصْلُهُ مِنْ أَذِنَ لَهُ يَأْذَنُ: إِذَا اسْتَمَعَ لَهُ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
[البحر الرمل]
أَيُّهَا الْقَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ ... إِنَّ هَمِّي فِي سَمَاعٍ وَأَذَنْ
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي نَبْتَلِ بْنِ الْحَارِثِ
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:"ذَكَرَ اللَّهُ عَيْبَهُمْ، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ وَأَذَاهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} الْآيَةَ، وَكَانَ الَّذِي يَقُولُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ فِيمَا بَلَغَنِي نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، مَنْ حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ، يَقُولُ اللَّهُ: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} أَيْ يَسْتَمِعُ الْخَبَرَ وَيُصَدِّقُ بِهِ"