وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} بِإِضَافَةِ الْأُذُنِ إِلَى الْخَيْرِ، يَعْنِي: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ لَا أُذُنُ شَرٍّ.
وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: (قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ) بِتَنْوِينِ أُذُنٌ، وَيَصِيرُ خَيْرٌ خَبَرًا لَهُ، بِمَعْنَى: قُلْ مَنْ يَسْمَعُ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ مَا تَقُولُونَ وَيُصَدِّقُكُمْ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ كَمَا وَصَفْتُمُوهُ مَنْ أَنْكَرَ إِذَا آذَيْتُمُوهُ فَأَنْكَرْتُمْ مَا ذُكِرَ لَهُ عَنْكُمْ مِنْ أَذَاكُمْ إِيَّاهُ وَعَيْبِكُمْ لَهُ سَمِعَ مِنْكُمْ وَصَدَّقَكُمْ، خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ يُكَذِّبَكُمْ وَلَا يَقْبَلَ مِنْكُمْ مَا تَقُولُونَ. ثُمَّ كَذَّبَهُمْ فَقَالَ: بَلْ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} بِإِضَافَةِ الْأُذُنِ إِلَى الْخَيْرِ، وَخَفْضِ الْخَيْرِ، يَعْنِي: قُلْ هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ، لَا أُذُنُ شَرٍّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} فَإِنَّهُ يَقُولُ: يُصَدِّقُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}
يَقُولُ: وَيُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ لَا الْكَافِرِينَ وَلَا الْمُنَافِقِينَ. وَهَذَا تَكْذِيبٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا: مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّمَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَمِعُ خَيْرٍ، يُصَدِّقُ بِاللَّهِ وَبِمَا جَاءَهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَيُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ لَا أَهْلَ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ.
وَقِيلَ: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} مَعْنَاهُ: وَيُؤْمِنُ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا عَنْهَا: آمَنْتُ لَهُ وَآمَنْتُهُ، بِمَعْنَى: صَدَّقْتُهُ، كَمَا قِيلَ: {رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} وَمَعْنَاهُ: رَدِفَكُمْ. وَكَمَا قَالَ: {لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} وَمَعْنَاهُ: لِلَّذِينَ هُمْ رَبَّهُمْ يَرْهَبُونَ.