وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَابْنِ السَّبِيلِ} فَالْمُسَافِرُ الَّذِي يَجْتَازُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَالسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، وَقِيلَ لِلضَّارِبِ فِيهِ ابْنُ السَّبِيلِ لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
أَنَا ابْنُ الْحَرْبِ رَبَّتْنِي وَلِيدًا ... إِلَى أَنْ شِبْتُ وَاكْتَهَلَتْ لِدَاتِي
وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ، تُسَمِّي اللَّازِمَ لِلشَّيْءِ يُعْرَفُ بِابْنِهِ.
[عن] ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: «ابْنُ السَّبِيلِ الْمُسَافِرُ مَنْ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا إِذَا أُصِيبَتْ نَفَقَتُهُ، أَوْ فُقِدَتْ، أَوْ أَصَابَهَا شَيْءٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، فَحَقُّهُ وَاجِبٌ» .
وَقَوْلُهُ: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَسَمٌ قَسَمَهُ اللَّهُ لَهُمْ، فَأَوْجَبَهُ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْأَمْوَالِ لَهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ فِيمَا فَرَضَ لَهُمْ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ. فَعَلَى عِلْمٍ مِنْهُ فَرَضَ مَا فَرَضَ مِنَ الصَّدَقَةِ وَبِمَا فِيهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ، لَا يَدْخُلُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلَلٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كَيْفِيَّةِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهَلْ يَجِبُ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فِيهَا حَقٌّ أَوْ ذَلِكَ إِلَى رَبِّ الْمَالِ، وَمَنْ يَتَوَلَّى قَسْمَهَا فِي أَنَّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ جَمِيعَ ذَلِكَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ؟ فَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لِلْمُتَوَلِّي قَسْمُهَا وَوَضْعُهَا فِي أَيِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ، وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ فِي الْآيَةِ إِعْلَامًا مِنْهُ خَلْقَهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ إِلَى غَيْرِهَا، لَا إِيجَابًا لِقَسْمِهَا بَيْنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
عَنْ حُذَيْفَةَ، فِي قَوْلِهِ:" {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} قَالَ: إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ، أَوْ صِنْفَيْنٍ، أَوْ لِثَلَاثَةٍ"
عَنْ عَطَاءٍ قَالَ:"لَوْ وَضَعْتَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ أَجْزَأَكَ، وَلَوْ نَظَرْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فُقَرَاءَ مُتَعَفِّفِينَ فَجَبَرْتَهُمْ بِهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ"