قلت: ظاهر اللفظ يدل على أن المسكين غير الفقير ، وأنهما صنفان ، إلاَّ أن أحد الصّنفين أشدّ حاجة من الآخر ؛ فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفاً واحداً ، والله أعلم.
ولا حجة في قول من احتج بقوله تعالى: {أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الكهف: 79] .
لأنه يحتمل أن تكون مستأجرة لهم ؛ كما يُقال: هذه دار فلان إذا كان ساكنَها وإن كانت لغيره.
وقد قال تعالى في وصف أهل النار: {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحج: 21] فأضافها إليهم.
وقال تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"من باع عبداً وله مال"وهو كثير جداً يُضاف الشيء إليه وليس له.
ومنه قولهم: باب الدار.
وجُلّ الدابة ، وسرج الفرس ، وشبهه.
ويجوز أن يُسمّوا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف ؛ كما يُقال لمن امتحن بِنكبة أو دفع إلى بلية مسكين.
وفي الحديث:"مساكين أهل النار"وقال الشاعر:
مساكين أهل الحب حتى قبورهم ...
عليها تراب الذل بين المقابر
وأمّا ما تأوّلوه من قوله عليه السَّلام:"اللهم أحيِنِي مسكيناً"الحديث.
رواه أنس ، فليس كذلك ؛ وإنما المعنى هاهنا: التواضع لله الذي لا جبروت فيه ولا نخوة ، ولا كبر ولا بطر ، ولا تكبّر ولا أشر.
ولقد أحسن أبو العتاهية حيث قال:
إذا أردت شريف القوم كلّهم ...
فانظر إلى ملِك في زِي مسكين
ذاك الذي عظُمت في اللَّه رغبته ...
وذاك يصلح للدنيا وللدين
وليس بالسائل ، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد كره السؤال ونهى عنه ،"وقال في امرأة سوداء أبت أن تزول له عن الطريق:"دَعُوها فإنها جَبّارة""وأما قوله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض} فلا يمتنع أن يكون لهم شيء .
والله أعلم.
وما ذهب إليه أصحاب مالك والشافعيّ في أنهما سواء حسن.