وقال يحيى بن معاذ الرازي الدنيا خمر الشيطان من سكر منها فلا يفيق إلا في عسكر الموتى نادما بين الخاسرين وأقل ما في حبها أنه يلهي عن حب الله وذكره ومن الهاه ماله عن ذكر الله فهو من الخاسرين وإذا لها القلب عن ذكر الله سكنه الشيطان وصرفه حيث أراد ومن فقهه في الشر أنه يرضيه ببعض أعمال الخير ليريه أنه يفعل فيها الخير وقد تعبد لها قلبه فأين يقع ما يفعله من البر مع تعبده لها وقد لعنه رسول الله ودعا عليه فقال لعن عبد الدينار والدرهم وقال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم أن أعطى رضى وإن منع سخط وهذا تفسير منه وبيان لعبوديتها وقد عرضت الدنيا على النبي بحذافيرها وتعرضت له فدفع في صدرها باليدين وردها على عقبيها ثم عرضت بعده على أصحابه وتعرضت لهم فمنهم من سلك سبيله ودفعها عنه وهم القليل ومنهم من استعرضها وقال ما فيك قالت في الحلال والشبهة والمكروه والحرام فقالوا هاتى حلالك ولا حاجة لنا فيما عداه فأخذوا حلالها ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها فلم يجدوه فطلبوا مكروهها وشبهها فقالت قد أخذه من قبلكم فقالوا هاتى حرامك فأخذوه فطلبه من بعدهم فقالت هو في أيدى الظلمة قد استأثروا به عليكم فتحيلوا على تحصيله منهم بالرغبة والرهبة فلا يمد فأجر يده إلى شيء من الحرام إلا وجد أفجر منه وأقوى قد سبقه إليه هذا وكلهم ضيوف وما بأيديهم عارية كما قال ابن مسعود رضي الله عنه ما أصبح أحد في الدنيا إلا ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤادة.
(فصل)
قالوا وإنما كان حب الدنيا رأس الخطايا ومفسدا للدين من وجوه:
أحدها أن حبها يقتضى تعظيمها وهي حقيرة عند الله ومن أكبر الذنوب تعظيم ما حقر الله وثانيها أن الله لعنها ومقتها وأبغضها إلا ما كان له فيها ومن أحب ما لعنه الله ومقته وأبغضه فقد تعرض للفتنة ومقته وغضبه وثالثها إنه إذا أحبها صيرها غايته وتوسل إليها بالأعمال التي جعلها الله وسائل إليه وإلى الدار الآخرة فعكس الأمر وقلب الحكمة فانعكس قلبه وانعكس سيره إلى وراء
فهاهنا أمران:
أحدهما جعل الوسيلة غاية.