حدد قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ الهدف النهائي للجهاد: وهو أن تنقطع فتنة المؤمنين عن دينهم، وأن تكون كلمة الله هي العليا في العالم، وكثيرون من الناس لا يعرفون المراد من كلمة الفتنة في هذا المقام، حتى إن الذين يفتنون المسلمين عن دينهم يتهمون المؤمنين بالفتنة، إذا ما طالبوا بإقامة شريعة الله، ولو أننا تأملنا السياق الذي وردت فيه الآية، لعرفنا أن المراد بالفتنة اضطهاد المسلمين، وصد الناس عن دين الله، بإنفاق الأموال، ولكن فتنة المسلم عن دينه لا تكون في هذا فقط، بل تكون كذلك عند ما تكون الجاهلية لها السلطان والدولة، فإنها في هذه الحالة تفتن بزخرفها الباطل الكثيرين عن دين الله، ولذلك فإن هدف الجهاد النهائي ألا تبقى فتنة، وأن يكون السلطان في هذا العالم للإسلام، وفي هذا يقول صاحب الظلال إن قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .. يقرر حكما دائما للحركة الإسلامية في مواجهة الواقع الجاهلي الدائم ولقد جاء الإسلام ليكون إعلانا عاما لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من العبودية للعباد - ومن العبودية لهواه أيضا وهي من العبودية للعباد - وذلك بإعلان ألوهية الله وحده - سبحانه وربوبيته للعالمين .. وأن معنى هذا الإعلان: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض، الحكم فيه للبشر في صورة من الصور .. الخ.
ولا بد لتحقيق هذا الهدف الضخم من أمرين أساسيين:
أولهما: دفع الأذى والفتنة عمن يعتنقون هذا الدين، ويعلنون تحررهم من حاكمية الإنسان، ويرجعون بعبوديتهم لله وحده، ويخرجون من العبودية للعبيد في جميع الصور والأشكال .. وهذا لا يتم إلا بوجود عصبة مؤمنة ذات تجمع حركي تحت قيادة تؤمن بهذا الإعلان العام، وتنفذه في عالم الواقع، وتجاهد كل طاغوت يعتدي بالأذى والفتنة على معتنقي هذا الدين، أو يصد بالقوة وبوسائل الضغط والقهر والتوجيه من يريدون اعتناقه ...