فكانت الفتنة الآخرة، فكانت فتنتان: فتنة أخرجت من خرج إلى أرض الحبشة حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها، وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة، ثم أنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة سبعون نقيبا، رءوس الذين أسلموا فوافوه بالحج، فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم ومواثيقهم، على أنا منك وأنت منا، وعلى أن من جاء من أصحابك أو جئتنا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدت عليهم
قريش عند ذلك، فأمر رسول الله أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وخرج هو، وهي التي أنزل الله عزّ وجل فيها وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ...
5 -وفي آية الغنائم كلام كثير نجتزئ منه الفقرات التالية:
أ - قال ابن كثير: والغنيمة: هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب.
والفئ: ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها، ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف، ومن العلماء من يطلق الفئ على ما تطلق عليه الغنيمة، وبالعكس أيضا. ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى الآية. قال: فنسخت آية الأنفال تلك، وجعلت الغنائم: أربعة أخماس للمجاهدين وخمسا منها لهؤلاء المذكورين، وهذا الذي قاله بعيد لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر، وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفئ والغنيمة يقول: تلك نزلت في أموال الفئ، وهذه في الغنائم، ومن يجعل أمر الغنائم والفئ راجعا إلى رأي الإمام يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس إذا رآه الإمام والله أعلم.