فظاهر هذا يردّ قول الطبري لاشتراطه في السلب القتلَ في المعركة خاصة.
وقال أبو ثور وابن المنذر: السلب للقاتل في معركة كان أو غير معركة ، في الإقبال والإدبار والهروب والانتهار ، على كل الوجوه ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:
"من قتل قتيلاً فله سلبه".
قلت: روى مسلم"عن سلمة بن الأكْوَع قال: غَزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازِن فبينا نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ، ثم انتزع طَلَقاً من حَقَبِه فقيّد به الجمل ، ثم تقدّم يتغدى مع القوم وجعل ينظر ، وفينا ضَعْفة ورِقّة في الظَّهر ، وبعضنا مُشاةٌ ؛ إذ خرج يشتدّ ، فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل ، فاتبعه رجل على ناقة وَرْقاء."
قال سلمة: وخرجت أشتدّ فكنت عند وَرِك الناقة ، ثم تقدّمت حتى كنت عند ورِك الجمل ، ثم تقدّمت حتى أخذت بخِطام الجمل فأنخته ، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فَنَدَر ، ثم جئت بالجمل أقوده ، عليه رحله وسلاحه ؛ فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقال:"من قتل الرجل"؟ قالوا: ابن الأكوع.
قال:"له سلبه أجمع""فهذا سلمة قتله هارباً غير مقبل ، وأعطاه سلبه."
وفيه حجة لمالك من أن السلب لا يستحقه القاتل إلا بإذن الإمام ، إذ لو كان واجباً له بنفس القتل لما احتاج إلى تكرير هذا القول.
ومن حجته أيضاً ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا أبو الأحوص عن الأسود بن قيس عن بشر بن علقمة قال: بارزت رجلاً يوم القادِسِية فقتلته وأخذت سلبه ، فأتيت سعداً فخطب سعد أصحابه ثم قال: هذا سلب بشر بن علقمة ، فهو خير من اثني عشر ألف درهم ، وإنا قد نفّلناه إياه.
فلو كان السلب للقاتل قضاءً من النبيّ صلى الله عليه وسلم ما احتاج الأمر أن يضيفوا ذلك إلى أنفسهم باجتهادهم ، ولأخذه القاتل دون أمرهم.
والله أعلم.