ولكن هذا الذي قاله أبو بكر وعمر ، والذي قاله المقداد ، والذي قاله سعد بن معاذ - رضي الله عنهم - لم يكن هو مقالة جميع الذين خرجوا من المدينة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقد كره بعضهم القتال ، وعارض فيه ، لأنهم لم يستعدوا لقتال ، إنما خرجوا لملاقاة الفئة الضعيفة التي تحرس العير ؛ فلما أن علموا أن قريشاً قد نفرت بخيلها ورجلها ، وشجعانها وفرسانها ، كرهوا لقاءها كراهية شديدة ، هي هذه الكراهية التي يرسم التعبير القرآني صورتها بطريقة القرآن الفريدة:
{كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ، يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} !
روى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره - بإسناده - عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن بالمدينة:
"إني أخبرت عن عير أبي سفيان بأنها مقبلة ، فهل لكم أن نخرج قِبل هذه العير لعل الله أن يغنمناها؟"فقلنا: نعم. فخرج وخرجنا. فلما سرنا يوماً أو يومين قال لنا:"ما ترون في قتال القوم؟ إنهم قد أخبروا بخروجكم!"فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ، ولكنا أردنا العير! ثم قال:"ما ترون في قتال القوم؟"فقلنا مثل ذلك: فقال المقداد بن عمرو: إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون...} فتمنينا - معشر الأنصار - أن لو قلنا كما قال المقداد بن عمرو أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم! قال: فأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون} .