وأما على جعل الأمنة مصدراً فلا إشكال ، يقال أمن أمنة ، وأمناً وأماناً.
وهذه الآية تتضمن ذكر نعمة أنعم الله بها عليهم ، وهي أنهم مع خوفهم من لقاء العدوّ والمهابة لجانبه ، سكن الله قلوبهم وأمَّنها حتى ناموا آمنين غير خائفين ، وكان هذا النوم في الليلة التي كان القتال في غدها ، قيل: وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: أحدهما أنه قَّواهم بالاستراحة على القتال من الغد.
الثاني: أنه أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم.
وقيل: إن النوم غشيهم في حال التقاء الصفين ، وقد مضى في يوم أحد نحو من هذا في سورة آل عمران.
قوله: {وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ} هذا المطر كان بعد النعاس.
وقيل: قبل النعاس.
وحكى الزجاج أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر ، فنزلوا عليه وبقي المؤمنون لا ماء لهم ، فأنزل الله المطر ليلة بدر.
والذي في سيرة ابن إسحاق وغيره أن المؤمنين هم الذين سبقوا إلى ماء بدر ، وأنه منع قريشاً من السبق إلى الماء مطر عظيم ، ولم يصب المسلمين منه إلا ما شدّ لهم دهس الوادي ، وأعانهم على المسير.
ومعنى {لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ} ؛ ليرفع عنكم الأحداث {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان} أي: وسوسته لكم ، بما كان قد سبق إلى قلوبهم من الخواطر التي هي منه من الخوف والفشل حتى كانت حالهم حال من يساق إلى الموت {وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ} فيجعلها صابرة قوية ثابتة في مواطن الحرب.
والضمير في {بِهِ} من قوله: {وَيُثَبّتَ بِهِ الأقدام} راجع إلى الماء الذي أنزله الله ، أي يثبت بهذا الماء الذي أنزله عليكم عند الحاجة إليه أقدامكم في مواطن القتال.
وقيل الضمير راجع إلى الربط المدلول عليه بالفعل.