الثاني: أنَّها منصوبةٌ على أنَّها واقعةٌ موقع الحال إمَّا من الفاعل ، وإمَّا من المفعول ، فإن كان الفاعل ُ"النعاس"فنسبةُ الأمنة إليه مجازٌ ، وإن كان الباري تعالى كما هو في القراءتين الأخيرتين فالنسبةُ حقيقيةٌ ، وإن كان من المفعولِ فعلى المبالغةِ ، أي: جعلهم نفس الأمنة ، أو على حذف مضاف ، أي: ذوي أمنة.
الثالث: أنَّه مفعولٌ من أجله ، وذلك إمّضا أن يكون على القراءتين الأخريين أو على الأولى ، فعلى القراءتين الأخريين أمرها واضحٌ ، وذلك أن التَّغشية ، أو الإغشاء من اللَّهِ تعالى ، والأمنةُ منه أيضاً ، فقد اتَّحد الفاعل فصحَّ النَّصْبُ على المفعول له ، وأمَّا على القراءة الأولى ففاعل"يَغْشَى"النُّعاس وفاعل"الأمنة"الباري تعالى ، ومع اختلافِ الفاعل يمتنع النَّصْبُ على المفعولِ له على المشهُورِ ، وفيه خلاف اللَّهُمَّ إلاَّ أن يتجوَّز فيجوز.
وقد أوضح ذلك الزمخشريُّ فقال: و"أمَنَةً"مفعولٌ له.
فإن قلت: أما وجب أن يكون فاعلُ الفعل المُعَلَّلِ والعلَّة واحداً؟ قلتُ: بلى ، ولكن لمَّا كان معنى:"يَغْشَاكُمُ النعاسُ"تنعسون ، انتصب"أمَنَةً"على معنى أنَّ النُّعَاس والأمَنَةَ لهم ، والمعنى: إذ تنعسون أمنة بمعنى أمناً.
ثم قال:"فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب على أنَّ الأمنة للنُّعاسِ الذي هو فاعل"يَغْشَاكُم؟ أي: يغشاكم النُّعاسُ لأمنة على أنَّ إسنادَ الأمْن على النعاس إسنادٌ مجازي ، وهو لأصحاب النُّعاس على الحقيقة ، أو على أنه أنامكم في وقتٍ كان من حق النعاس في ذلك الوقتِ المخوف أن لا يقدم على غشيانكم ، وإنَّما غشَّاكم أمنةً حاصلةً له من اللَّهِ لولاها لم يغشكم على طريقة التَّمثيل ، والتخييل"."
قال شهابُ الدين: لا تبعد فصاحة القرآن عن مثله ، وله فيه نظائرُ ، ولقد ألمَّ به بعضهم ؛ فقال: [الوافر]
2676 - يَهَابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشَى عُيُوناً...