فلا أحد من هذه الكائنات له اختيار أن يعمل أو لا يعمل ، بل كلها مسخرة ، ولذلك تجد النواميس الكونية التي لا دخل للإنسان فيها ولاختياراته دخل في أمورها تسير بنظام دقيق ، ففي الوقت الفلاني ستأتي الأرض بين الشمس والقمر ، وفي الوقت الفلاني سيقع القمر بين الأرض والشمس ، وسيحدث للشمس خسوف ، وكل أمر من هذا له حساب دقيق . {يُغْشِي اليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً والشمس والقمر والنجوم مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخلق والأمر ...} [الأعراف: 54]
والخلق إيجاد الأشياء من عدم ، فبعد ان خلق الله الكون لم يترك شؤون الكون لأحد ، بل - سبحانه - له الأمر بعد ذلك . وقيوميته ؛ لأنه لم يزاول سلطانه في ملكه ساعة الخلق ثم ترك النواميس تعمل ، لا ، فبأمره يُعطل النواميس أحياناً ، ولذلك شاء الحق أن تكون معجزات الأنبياء لتعطيل النواميس ؛ لنفهم أن الكون لا يسير بالطبع أو بالعلة . لذلك يقول: {أَلاَ لَهُ الخلق والأمر} .
وإذا نظرت إلى كلمة"الأمر"تجد الحق يقول: {قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ ...} [آل عمران: 154]
والمقصود هو الأمر الكوني ، أما الأمور الاختيارية فلله فيها أمر يتمثل في المنهج ، وأنت لك فيها أمر إما أن تطيع وإما أن تعصي ، وأنت حر . {... أَلاَ لَهُ الخلق والأمر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين} [الأعراف: 54]
وحين يقول سبحانه: {تَبَارَكَ الله} وقال من قبل: {أَحْسَنُ الخالقين} ، فكل لفظ له معنى ، ففي خلقه من البشر مواهب تَخْلق ولكن من موجود وأوضحنا ذلك .
وفي قول آخر يصف الحق نفسه: {وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين} [الأنعام: 62]