وإن هذا القصص الحكيم، والذكر الذي يهدي ويرشد، هو كالمطر، تتلقاه بعض النفوس فتؤمن به، وتتلقاه أخرى فتكفر به؛ فالغيث ينزل فيأتي بالخصب والخير الكثير للمؤمنين، ولا ينبت نباتا، ولا يسقي حرثا في الأرض الحدباء، قال تعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يحْزَنُونَ) .
الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، والمعنى إذا جاءتهم الرسل بآياتي فمن اتَقى وأصلح. . .، ونسب الله - سبحانه وتعالى - الهدى إليه - سبحانه وتعالى - تعظيما لمعناه، ولبيان أن الرسل يتكلمون عن الله: (مَن يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) ، ولبيان ما يترتب على ذلك، وهو نفي الخوف والحزن، ولذا قال تعالى: فلا خوف عليهم من عذاب، بل هم في أمن وسلام؛ لأن الهداية أمن واطمئنان، ولأن الطاعة لَا عقاب منها بل ثواب فلا خوف من عقاب.
ولا يحزنون، أي لَا يصيبهم حزن، ولا ألم نفسي أو وجداني، ولا تؤثر فيهم زوابع الحياة لأن نفوسهم مطمئنة بإيمانها، راضية بقضاء الله وقدره، كما قال تعالى: (. . . أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ، فمن اهتدى فقد حصن نفسه بالأمن والرضا، فلا يخاف ولا يحزن.
وقد بين الله تعالى حال الذين لَا يؤمنون بما جاءت به الرسل من الهدى والبينات فقال:
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(36)
هنا ذكر للذين يعصون الرسل، ويكفرون بما جاءوا في مقابل الذين اهتدوا بهديهم، وهو هدى الله تعالى، وقد ذكر الله تعالى وصفين لهما هما اللذان أديا بهم إلى عذاب الله تعالى وهما:
الوصف الأول - أنهم كذبوا بآيات الله تعالى كذبوا آيات التكليف فلم يؤمنوا بصدقها عن الله تعالى مع قيام الأدلة على صدقها، والبراهين الدالة على أن الرسل يتكلمون عن الله، فهم إذ يكذبون الرسل يكفرون بمن أرسلهم، ويكذبون بما تدل عليه الآيات الكونية من خلق السماوات والأرض، وما يكون منها من زروع وثمار، وحياة كاملة، وما في السماء من نجوم وبروج إلى آخر ما في الكون من دلالات على أن خالقها واحد أحد هو الفرد الصمد.