وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَقَّ التَّأَمُّلِ فَإِنَّهُ يَجْتَنِبُ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى عِبَادِ اللهِ شَيْئًا ، أَوْ يُوجِبَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فِي دِينِهِمْ بِغَيْرِ نَصٍّ صَرِيحٍ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ ، بَلْ يَجْتَنِبُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ هَذَا مَنْدُوبٌ أَوْ مَكْرُوهٌ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَاضِحٍ مِنَ النُّصُوصِ ، وَمَا أَكْثَرَ الْغَافِلِينَ عَنْ هَذَا الْمُتَجَرِّئِينَ عَلَى التَّشْرِيعِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا مِرَارًا فِي هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذَا حَقُّ اللهِ وَحْدَهُ ، وَمَنْ تَهَجَّمَ عَلَيْهِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ شَرِيكًا لَهُ ، وَمَنْ تَبِعَهُ فِيهِ فَقَدِ اتَّخَذَهُ رَبًّا لَهُ ، وَقَدْ كَانَ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ يَتَحَامَوْنَ الْقَوْلَ فِي الدِّينِ بِالرَّأْيِ ، وَيَتَدَافَعُونَ الْفَتْوَى حَتَّى فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ وَإِنَّمَا كَانَ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ يَقْصِدُونَ بِالتَّوَسُّعِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ فَتْحَ أَبْوَابِ الْفَهْمِ لَا التَّشْرِيعِ الَّذِي أُلْصِقَ بِهِمْ ، حَتَّى إِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ أَكْرَهُ كَذَا - مِنْ بَابِ
الْوَرَعِ وَالِاحْتِيَاطِ - جَعَلَ أَتْبَاعُهُ
مِنْ بَعْدِهِ قَوْلَهُ مِنَ الْكَرَاهَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي جَعَلُوا بَعْضَهَا لِلتَّحْرِيمِ ، وَفَسَّرُوهَا بِأَنَّهَا خِطَابُ اللهِ الْمُقْتَضِي لِلتَّرْكِ اقْتِضَاءً جَازِمًا وَبَعْضَهَا لِلتَّنْزِيهِ ، وَجَعَلُوا الِاقْتِضَاءَ فِيهَا غَيْرَ جَازِمٍ وَعَلَى ذَلِكَ فَقِسْ . وَلِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقِيَمِ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ فِي كِتَابِهِ مَدَارِجِ السَّالِكِينَ هَذَا نَصُّهُ: