فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} فَجَاءَ بِالْخَبَرِ عَنِ الْبِطَانَةِ بِلَفْظِ الْمَاضِي فِي مَحَلِّ الْحَالِ وَالْقَطْعِ بَعْدَ تَمَامِ الْخَبَرِ، وَالْحَالَاتُ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا بِصُوَرِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ دُونَ الْمَاضِيَةِ مِنْهَا؟
قِيلَ: لَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ظَنَنْتَ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} حَالٌ مِنَ الْبِطَانَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْهُمْ ثَانٍ، مُنْقَطِعٌ عَنِ الْأَوَّلِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ، وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةٌ صِفَتُهُمْ كَذَا صِفَتُهُمْ كَذَا، فَالْخَبَرُ عَنِ الصُّفَّةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالصِّفَةِ الْأُولَى، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ صِفَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} مِنْ صِلَةِ الْبِطَانَةِ، وَقَدْ وُصِلَتْ بِقَوْلِهِ: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} فَلَا وَجْهَ لِصِلَةٍ أُخْرَى بَعْدَ تَمَامِ الْبِطَانَةِ بِصِلَتِهِ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّا قَبْلُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ عَنِ الْبِطَانَةِ غَيْرُ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ، وَغَيْرُ حَالٍ مِنَ الْبِطَانَةِ وَلَا قَطْعٍ مِنْهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}