وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَدُّوا عَنَتَكُمْ، يَقُولُ: يَتَمَنَّوْنَ لَكُمُ الْعَنَتَ وَالشَّرَّ فِي دِينِكُمْ وَمَا يَسُوءُكُمْ وَلَا يَسُرُّكُمْ.
ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يُخَالِطُونَ حُلَفَاءَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ مِنْهُمْ، وَيُصَافُونَهُمُ الْمَوَدَّةَ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَنْ يَسْتَنْصِحُوهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِمْ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالًا مِنَ الْيَهُودِ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِوَارِ وَالْحَلِفِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ، فَنَهَاهُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ تَخَوُّفَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} "
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيًّا»
قَالَ: فَلَمْ نَدْرِ مَا ذَلِكَ حَتَّى أَتَوُا الْحَسَنَ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، أَمَّا قَوْلُهُ: «لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيًّا» ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ «مُحَمَّدٌ» ؛
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَلَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ» ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْمُشْرِكِينَ، يَقُولُ: لَا تَسْتَشِيرُوهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِكُمْ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ}
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ: وَدُّوا مَا ضَلَلْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ
وَقَالَ آخَرُونَ: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} يَعْنِي: «أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ أَنْ تُعْنَتُوا فِي دِينِكُمْ»