عَنِ السُّدِّيِّ: يَقُولُ: «مَثَلُ مَا يَقُولُ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ كَمَثَلِ هَذَا الزَّرْعِ إِذَا زَرَعَهُ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ، فَأَصَابَهُ رِيحٌ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْهُ فَأَهْلَكَتْهُ، فَكَذَلِكَ أَنْفَقُوا فَأَهْلَكَهُمْ شِرْكُهُمْ»
وَقَدْ بَيَّنَّا أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَبْلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا تَأْوِيلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ..
وَأَمَّا الصِّرُّ، فَإِنَّهُ شِدَّةُ الْبَرْدِ، وَذَلِكَ بِعُصُوفٍ مِنَ الشَّمَالِ فِي إِعْصَارِ الطَّلِّ وَالْأَنْدَاءِ فِي صَبِيحَةٍ مُعْتِمَةٍ بِعَقَبِ لَيْلَةٍ مُصْحِيَةٍ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} قَالَ:"صِرٌّ بَارِدَةٌ أَهْلَكَتْ حَرْثَهُمْ، قَالَ: وَالْعَرَبُ تَدَعُوهَا الضَّرِيبَ: تَأْتِي الرِّيحُ بَارِدَةً فَتُصْبِحُ ضَرِيبًا قَدْ أَحْرَقَ الزَّرْعَ، تَقُولُ: «قَدْ ضُرِبَ اللَّيْلَةَ» أَصَابَهُ ضَرِيبُ تِلْكَ الصِّرِّ الَّتِي أَصَابَتْهُ"
عَنِ الضَّحَّاكِ: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} قَالَ: «رِيحٌ فِيهَا بَرْدٌ»
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَمَا فَعَلَ اللَّهُ بِهَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مَا فَعَلَ بِهِمْ، مِنْ إِحْبَاطِهِ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ، وَإِبْطَالِهِ أُجُورَهَا ظُلْمًا مِنْهُ لَهُمْ، يَعْنِي: وَضْعًا مِنْهُ لِمَا فَعَلَ بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ، بَلْ وَضَعَ فَعْلَهُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ، وَفَعَلَ بِهِمْ مَا هُمْ أَهْلُهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمُ الَّذِي عَمِلُوهُ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ، وَهُمْ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ دَائِنُونَ وَلِأَمْرِهِ مُتَّبِعُونَ، وَلِرُسُلِهِ مُصَدَّقُونَ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَهُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ، وَلِأَمْرِهِ مُخَالِفُونَ، وَلِرُسُلِهِ مُكَذِّبُونَ، بَعْدَ تَقَدُّمٍ مِنْهُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ عَمَلًا مِنْ عَامِلٍ إِلَّا مَعَ إِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ لَهُ، وَالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ، وَتَصْدِيقِ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ، وَتَوْكِيدِهِ الْحُجَجَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ مَا فَعَلَ بِمَنْ كَفَرَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِ مِنْ إِحْبَاطِ وَافِرِ عَمَلِهِ لَهُ ظَالِمًا، بَلْ الْكَافِرُ هُوَ الظَّالِمُ نَفْسَهُ لِإِكْسَابِهَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَخِلَافِ أَمْرِهِ مَا أَوْرَدَهَا بِهِ نَارَ جَهَنَّمَ وَأَصْلَاهَا بِهِ سَعِيرَ سَقَرَ.