يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: شِبْهُ مَا يُنْفِقُ الَّذِينَ كَفَرُوا: أَيْ شِبْهُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ الْكَافِرُ مِنْ مَالِهِ، فَيُعْطِيهِ مَنْ يُعْطِيهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ إِلَى رَبِّهِ، وَهُوَ لِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ جَاحِدٌ وَلِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكَذِّبٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ نَافِعِهِ مَعَ كُفْرِهِ، وَأَنَّهُ مُضْمَحِلٌّ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ ذَاهِبٌ بَعْدَ الَّذِي كَانَ يَرْجُو مِنْ عَائِدَةِ نَفْعِهِ عَلَيْهِ، كَشِبْهِ رِيحٍ فِيهَا بَرْدٌ شَدِيدٌ {أَصَابَتْ} هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي فِيهَا الْبَرْدُ الشَّدِيدُ {حَرْثَ قَوْمٍ}
يَعْنِي زَرْعَ قَوْمٍ، قَدْ أَمَّلُوا إِدْرَاكَهُ، وَرَجَوْا رِيعَهُ وَعَائِدَةَ نَفْعِهِ، {ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}
يَعْنِي أَصْحَابَ الزَّرْعِ، عَصَوُا اللَّهَ، وَتَعَدَّوْا حُدُودَهُ {فَأَهْلَكَتْهُ}
يَعْنِي فَأَهْلَكَتِ الرِّيحُ الَّتِي فِيهَا الصِّرُّ زَرْعَهُمْ ذَلِكَ، بَعْدَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَمَلِ، وَرَجَاءَ عَائِدَةِ نَفْعِهِ عَلَيْهِمْ،
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَذَلِكَ فِعْلُ اللَّهِ بِنَفَقَةِ الْكَافِرِ وَصَدَقَتِهِ فِي حَيَاتِهِ حِينَ يَلْقَاهُ يُبْطِلُ ثَوَابَهَا، وَيُخَيِّبُ رَجَاءَهُ مِنْهَا، وَخَرَجَ الْمَثَلُ لِلنَّفَقَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَثَلِ صَنِيعَ اللَّهِ بِالنَّفَقَةِ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} فَهُوَ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي مِثَلِهِ مِنْ قَوْلِهِ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: مَثَلُ إِبْطَالِ اللَّهِ أَجْرَ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، كَمَثَلِ رِيحٍ صِرٍّ.
وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُ ذِكْرِ إِبْطَالِ اللَّهِ أَجْرَ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ آخِرِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} وَلِمَعْرِفَةِ السَّامِعِ ذَلِكَ مَعْنَاهُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى النَّفَقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ النَّفَقَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي النَّاسِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ قَوْلُهُ الَّذِي يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ مِمَّا لَا يُصَدِّقُهُ بِقَلْبِهِ