وَأَقُولُ: إِنَّ الْإِحَاطَةَ إِحَاطَتَانِ إِحَاطَةُ عِلْمٍ وَإِحَاطَةُ قُدْرَةٍ وَمَنْعٍ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِحَاطَةَ عِلْمٌ لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَمَلِ ; وَذَلِكَ مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي وَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [65: 12] وَقَوْلِهِ: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [10: 39] وَأَمَّا الْإِحَاطَةُ بِالشَّخْصِ أَوْ بِالشَّيْءِ قُدْرَةً فَهِيَ تَأْتِي بِمَعْنَى مَنْعِهِ مِمَّا يُرَادُ بِهِ وَهَذَا لَيْسَ بِمُرَادٍ هُنَا ، وَبِمَعْنَى مَنْعِهِ مَا يُرِيدُهُ ، وَبِمَعْنَى التَّمَكُّنِ مِنْهُ ، وَمِنْهُ الْإِحَاطَةُ بِالْعَدُوِّ ، أَيْ أَخْذُهُ مِنْ
جَمِيعِ جَوَانِبِهِ بِالْفِعْلِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [2: 81] وَقَوْلُهُ: إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [11: 92] وَقَوْلُهُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [10: 22] كُلُّ هَذَا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَإِنْ فُسِّرَ كُلُّ قَوْلٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ . فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا نَحْنُ فِيهِ ، وَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ: أَنَّ اللهَ قَدْ دَلَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا يُنْجِيكُمْ مِنْ كَيْدِ عَدُوِّكُمْ فَعَلَيْكُمْ بَعْدَ الِامْتِثَالِ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّهُ مُحِيطٌ بِأَعْمَالِهِمْ إِحَاطَةَ قُدْرَةٍ تَمْنَعُهُمْ مِمَّا يُرِيدُونَ مِنْكُمْ مَعُونَةً مِنْهُ لَكُمْ كَقَوْلِهِ: وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا [48: 21] فَعَلَيْكُمْ بَعْدَ الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَثِقُوا بِهِ وَتَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ .