الدفع ، ولما ذكر فِي الآية الأولى أن ما يفعله الإِنسان من الخير لن
يُكفَر ، بيّن أن ما يعدونه خيراً إنما ينفع بعد الإِيمان ، فأما مع
افتقاده فلا نفع ، وذكر أجلّ ما هو عندهم خير ، وهو الأموال
والأولاد ، وأنها لا تغني عنهم ، وعلى ذلك ما حكى عن الكفار:
(مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ) وجعلهم أصحاب النار لملازمتهم إياها.
قوله تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(117) .
الصّر: برد يحرق النبات.
وقال مجاهد: هو النار.
وأصله صوت النار ، وكأنه حكى به الصرير والصرصرة.
ونحوهما ، والآية قيل: نزلت فِي أبي سفيان وأهل مكة
لإِنفاقهم المال فِي معاداة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، لما بيّن فِي الآية الأولى أن مالهم لا يغني عنهم ، بين أن إنفاق هؤلاء مع كونه غير نافع ضار
لهم ، وراجع بالوبال عليهم ، فمن المفسرين من قال القصد
إلى تشبيه ما لهم المنفق بالحرث. المحرق ، وكفرهم المهلك بريح
ذات صِرٍّ ، لكن أخرج التشبيه ملفوفاً لا مكشوفاً ، على تحقيق
مطابقة لفظ المشبّه والمشبّه به ، وذلك نحو ما تقدم.
ومنهم من قال: القصد فِي ذلك تشبيه أموالهم فِي إهلاكها إياهم بريح
ذات صِرٍّ فِي كونها مهلكة لحرث قوم ، ثم اختلفوا فِي هذه
النفقة ، فمنهم من جعلها لما أنفقه هؤلاء وأمثالهم فِي معاداة
المسلمين ، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) .
ومنهم من جعلها لكل ما ينفقه الكافر ، أي شيء أنفقه فإن
الكافر معاقب فِي ذلك كله ، كما أن المؤمن مثاب على ما أنفقه على