أي وجه أنفقه ، وعلى هذا قال - صلى الله عليه وسلم - لسعد:."إنك لتؤجر فِي نفقتك كلها ، حتى اللقمة تضعها فِي فيِّ أمرأتك".
ووجه ذلك أن المؤمن
لا يأخذ إلا من حيث على ما يجب وكما يجب ، ولا يضع
إلا كذلك ، والكافر بخلاف ذلك ، ومنهم من قال: (مَا يُنْفِقُونَ)
عبارة عن أعمالهم كلها ، لكن خصّ الإِنفاق لكونه أظهر
وأكثر ، وإنما خصّ حرث قوم ظلموا أنفسهم من أجل أن
الناس فيما يصيبهم أمن ، الجائحة ضربان:
صالح لا يستحق عقوبة ، فإذا نالته صار ذلك له أجراً مُدَّخرا.
فكأنه لم يضع ماله ، وسيِّئ يستحق عقوبة ، فإذا نالته فقد ضاع ماله فِي الحال وفي المآل ، ومنهم من قال: معنى (ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أي زرعوا
الحرث فِي غير وقته ، تنبيها أن الكفار أساءوا فيما كان ينبغي
لهم أن يفعلوه إساءة هؤلاء الحرّاث فِي حرثهم من تقديم أو تأخير.
إن قيل: كيف قال: (رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ) ، وقد قيل: متى
هبت الريح لم يؤثر الصِرُّ ؟
قيل فِي ذلك أجوبة:
الأول: أن كل صر لا ينفك من ريح معه ، لكن التي معها الصرُّ ضعيفة بحيث
لا يحُسُّ بحركتها ، وإنما تمنع الصرّ إذا تحركت حركة شديدة.
والثاني: أنه تعالى خصَّ ذلك تنبيهاً أن أموالهم بطلت من حيث لم
يحتسبوا: كبطلان حرث هؤلاء من حيث لم يحتسبوا ، فإنهم كانوا
آمنين من الصرِّ لوجود الريح.
والثالث: أنه عنى بالصرِّ صوت الريح وشدة عصوفها ، وعنى أنها أصابته الريح ففرقته ، كقوله: (كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) ، ونحو هذه الآية فِي بطلان عمل الكفار قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ) .
وقوله: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ) فإنما عقب به لأنه لما كان أخذ مال الغير وإبطاله قد يتصوره من لا يعرف حقيقة الأمر بصورة الظلم بين أنه لم يظلمهم ، بل هم ظلموا أنفسهم ، حيث لم يضعوا مال الله حيث أمرهم.