قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"لَا تَقُولُوا: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ مِثْلٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: فَإِنْ آمَنُوا بِالَّذِينَ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، أَوْ، قَالَ: فَإِنْ آمَنُوا بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ"فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً عَنْهُ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ اللَّهِ، وَبِمِثْلِ مَا أَنْزَلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ؛ وَذَلِكَ إِذَا صَرَفَ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ شِرْكٌ لَا شَكَّ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لِلَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَنُؤْمِنُ أَوْ نَكْفُرُ بِهِ. وَلَكِنْ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي وَجَّهَ إِلَيْهِ تَأْوِيلَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا وَصَفْنَا، وَهُوَ: فَإِنْ صَدَّقُوا مِثْلَ تَصْدِيقِكُمْ بِمَا صَدَّقْتُمْ بِهِ مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ، فَقَدِ اهْتَدَوْا. فَالتَّشْبِيهُ إِنَّمَا وَقَعَ بَيْنَ التَّصْدِيقَيْنِ وَالْإِقْرَارَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا إِيمَانُ هَؤُلَاءِ وَإِيمَانُ هَؤُلَاءِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: مَرَّ عَمْرٌو بِأَخِيكَ مِثْلَ مَا مَرَرْتَ بِهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَرَّ عَمْرٌو بِأَخِيكَ مِثْلَ مُرُورِي بِهِ، وَالتَّمْثِيلُ إِنَّمَا دَخَلَ تَمْثِيلًا بَيْنَ الْمُرُورَيْنِ، لَا بَيْنَ عَمْرٍو وَبَيْنَ الْمُتَكَلِّمِ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} إِنَّمَا وَقَعَ التَّمْثِيلُ بَيْنَ الْإِيمَانَيْنِ لَا بَيْنَ الْمُؤْمَنِ بِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ تَوَلَّوْا} وَإِنْ تَوَلَّى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى، فَأَعْرَضُوا، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِمِثْلِ إِيمَانِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَابْتُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ رُسُلِ اللَّهِ، وَبَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَصَدَّقُوا بَعْضًا وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، فَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا هُمْ فِي عِصْيَانٍ وَفُرَاقٍ وَحَرْبٍ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلَكُمْ.