ويتساءل كتاب الله سؤال استنكار واستغراب: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} ، أي: أيظن الإنسان أنه خلق ليترك في حياته هملا لا يؤمر ولا ينهى، وأنه خلق ليترك بعد موته منسيا لا يحاسب ولا يعاقب: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} .
ومن هنا ننتقل إلى سورة"الإنسان"المكية أيضا، مستعينين بالله، سائلين منه الهداية والتوفيق.
وفي مطلع هذه السورة الكريمة يعود الحديث من جديد إلى موضوع الإنسان الذي لم يخلقه الله سدى، ويبين كتاب الله أنه قد مضى زمن طويل على العالم دون أن يكون فيه للإنسان وجود ولا ذكر، ويشير إلى أن وجوده فيه إنما هو طارئ عليه، لحكمة إلهية اقتضت إيجاده وإمداده، وهي حكمة الابتلاء والتكليف والخلافة عن الله في الأرض، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} .
وواصل كتاب الله الحديث عن الأبرار والفجار من بني الإنسان، فوصف كلا الفريقين، ووضح جزاء الطرفين، فعن الفجار وجزائهم قال تعالى هنا: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} وعن الأبرار وجزائهم قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} .