وقوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ، أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا، كما فسره ابن كثير، وإلى هذا الموضوع نفسه يشير قوله تعالى في آية أخرى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه: 111) ، قال المفسر الشهيد:"إن الإيحاء الذي تتركه في النفس هذه الآيات هو تكفل الله المطلق بشأن هذا القرآن، وحيا وحفظا وجمعا وبيانا، وإسناده إليه سبحانه بكليته، ليس للرسول صلى الله عليه وسلم من أمره إلا حمله وتبليغه، ثم لهفة الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة حرصه، على استيعاب ما يوحى إليه، وخشيته أن ينسى منه عبارة أو كلمة، مما كان يدعوه إلى متابعة جبريل عليه السلام في التلاوة آية آية، وكلمة كلمة، يستوثق أن شيئا منها لم يفته، ويتثبت من حفظها فيما بعد".
ثم عاد كتاب الله إلى مخاطبة الغافلين المغرورين الذين يستغرقون كل حياتهم في الشهوات والملذات دون أن يحسبوا لما بعدها أي حساب، فقال تعالى: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} ، وكأن في هذا الخطاب تلويحا إلى ما في طبع الإنسان
من غريزة"العجلة": {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} (الأنبياء: 37) ، فبحكم هذه الطبيعة البدائية يميل الإنسان الغافل إلى الاستمتاع بيومه قبل غده، ويلتهم العيش التهاما، دون أن يفكر في العواقب، على حد قول القائل:"ولك الساعة التي أنت فيها"، لكن العاقل من شغل عمره بما يستمر ويبقى، لا من يشغله بما يمر ويفنى. ولعل هذا هو السر في وصف القرآن الكريم للدنيا في هذه الآية باسم"العاجلة"إيماء إلى قصر مدتها، وسرعة فنائها، وإشارة إلى استغراق الغافلين المغرورين في شهواتها وملذاتها، خشية فواتها.
وانتقل كتاب الله بعد ذلك إلى وصف ما أعده الله في الآخرة للمتقين المصدقين، وما أعده فيها للمحرومين المكذبين: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} .