والكتابُ هو الذي يُطِيعُك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعُك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتلُّ بنومٍ، ولا يعتَرِيه كَلالُ السهرِ، وهو المعلِّمُ الذي إن افتقرتَ إليه لم يُخْفِرْك، وإن قطعتَ عنه المادَّة لم يقطعْ عنك الفائدة، وإن عُزِلتَ لم يَدعْ طاعتَك، وإن هبَّتْ ريحُ أعادِيك لم ينقلبْ عليك، ومتى كنتَ منه متعلِّقاً بسبب أو معتصماً بأدنى حبْل، كان لك فيه غنًى من غيره، ولم تَضْطَرَّك معه وحشةُ الوَحدةِ إلى جليس السوء، ولو لم يكن مِن فضْله عليك، وإحسانِه إليك، إلاّ منعُه لكَ من الجلوس على بابك، والنظرِ إلى المارَّةِ بك، مع ما في ذلك من التعرُّض للحقوقِ التي تَلزَم، ومن فُضولِ النظَر، ومن عادةِ الخوض فيما لا يعنيك، ومِن ملابسةِ صغارِ الناس، وحضورِ ألفاظهم الساقطة، ومعانيهم الفاسِدة، وأخلاقهم الرديَّة، وجَهالاتهم المذمومة، لكان في ذلك السلامة، ثم الغنيمةُ، وإحرازُ الأصل، مع استفادةِ الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلاّ أنّه يشغَلُك عن سُخْف المُنَى وعن اعتياد الراحة، وعن اللعب، وكلِّ ما أشبهَ اللعب، لقد كان على صاحبه أسبَغَ النعمةَ وأعظَمَ المِنَّة.
وقد علمنا أنَّ أفضلَ ما يقطع به الفُرَّاغ نهارَهم، وأصحابُ الفُكاهات ساعاتِ ليلِهم، الكتاب، وهو الشيء الذي لا يرى لهم فيه مع النيل أثرٌ في ازدِياد تجربةٍ ولا عقلٍ ولا مروءة، ولا في صونِ عرض، ولا في إصلاحِ دِين، ولا في تثمير مال، ولا في رَبِّ صنيعة ولا في ابتداء إنعام.
وقال أبو عبيدة، قال المهلَّب لبنِيه في وصيَّتِه: يا بَنيَّ لا تقوموا في الأسواقِ إلاّ على زَرَّادٍ أَو وَرَّاق.
وحدَّثني صديقٌ لي قال: قرأتُ على شيخٍ شاميٍّ كتاباً فيه مِن مآثر غطفان فقال: ذهبَت المكارمُ إلاّ من الكتب.
وسمعتُ الحسن اللؤلؤي يقول: غَبَرتُ أربعين عاماً ما قِلْتُ ولا بِتُّ ولا اتكأت إلاّ والكتابُ موضوعٌ على صدري.
وقال ابن الجهْم: إذا غشِيَني النعاس في غير وقتِ نوم - وبئس الشيءُ النومُ الفاضِلُ عن الحاجة - قال: فإذا اعتراني ذلك تناولتُ كتاباً من كتب الحِكَم، فأجدُ اهتزازي للفوائِد، والأريحيَّة التي تعتريني عند الظفَر ببعض الحاجة، والذي يغشَى قلْبي من سرور الاستبانة وعزِّ التبيين أشدَّ إيقاظاً مِن نَهيق الحمير وهَدَّةِ الهدْم.