أقول: الذين حاربوا الإسلام وصدوا عن سبيله - في العهد المكي - كثيرون. وقد نزل وعيد من الله سبحانه في بعضهم ولم ينزل وعيد في الباقين , مع تساويهم في الجناية , بل لعل أحدهم أكثر جرما في حق الإسلام ومع ذلك لم ينزل فيه وعيد. فما سر ذلك ؟
هذا ما سنعرفه من هذه الدراسة الموجزة.
النضر بن الحارث:
حارب الإسلام وسخر نفسه لعداء نبيه.
وبلغ من عدائه للإسلام , أنه كان يسافر إلى بلاد فارس. ليشترى أخبار الأكاثرة , وحكايات الأولين ويحدث بها الناس ويقولله لهم: إن محمداً يحدثكم عن"عاد وثمود"وأنا أحدثكم عن"رستم والأكاثرة", يريد بهذا الحديث أن يصرف الناس عن سماع القرآن , وقد نزل فيه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ(6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)
وقد صرح القرآن بوعيده مرتين:
الوعيد الأول: في الآية الكريمة ، في قوله تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)
والنضر بن الحارث , واحد ممن توعدتهم الآية , لأنها نزلت فيه
والوعيد الثاني في قوله - سبحانه: (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)
واستعمل القرآن كلمة البشرى هنا , سخرية به.
ويجوز أن يكون القرآن قد استعمل كلمة البشرى , في معناها الأصلى , وهو كل خبر يظهر أثره على بشرة الوجه سواء كان خيراً أم شرًّا ثم كثر استعمالها في الأخبار السارة , ومنه قوله تعالى: (قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ)
فالنضر بن الحارث , أجرم في حق الإسلام , فنزل وعيد بشأنه وعلم مصيره إلى الأبد.
عقبة بن أبي معيط: