لا نقول رآه العالم كله، لأن الآيات الكونية معجزات يُراد منها تثبيت الرسل، وبيان صدقهم في البلاغ عن الله، فليس بالضرورة أنْ يرى هذه الآية كلُّ أهل هذا الزمان، كيف ونحن الآن مع التقدم العلمي الهائل وتوفر وسائل الاتصال نسمع عن حدوث خسوف أو كسوف في وقت كذا وكذا، وفعلاً تنقله القنوات المختلفة، ومع ذلك ومع الإعلان عن الظاهرة مُقدِّماً إلا أن القليل هم الذين يتمكنون من رؤيتها، والقمر آية ليلية في وقت معظم الناس فيه نائمون.
ثم إن المعجزات والآيات الكونية للرسل لا يُقصد منها المعجزة الدائمة، بل معجزة لمَنْ شاهدها ليثبت على إيمانه إنْ كان مؤمناً، أو يؤمن بالله إنْ كان كافراً.
لذلك قالوا: هي كعود الكبريت لا يشتغل إلا مرة واحدة، وهكذا كل معجزات الرسل، فلولا أن القرآن أخبرنا بعصا موسى ما كنا عرفنا عنها شيئاً.
والآيات الكونية هذه خَرْق للنواميس في لحظتها، ثم تعود الأمور إلى طبيعتها، فالقمر انشقّ فعلاً وخرق العادة، ثم عاد إلى ما كان عليه بعد أنْ رآه كفار مكة المكذبون لرسول الله، ليس كل الكفار بل بعضهم، فهذا البعض الذي شاهد المعجزة كافٍ لإثباتها.
وقالوا: معنى {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ..} [القمر: 1] أي: ساعة كل إنسان وأجله الذي ينتظره {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1] أي: ينشقّ عنه ويغيب ويعتزل حياته.
وما دام أن الله تعالى قال {اقْتَرَبَتِ ..} [القمر: 1] فقد اقتربتْ بالفعل، ولا تبحث في هذه المسألة.
والحق سبحانه قال أيضاً:
{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 1] فقال (أتى) بلفظ الماضي كأنه حدث بالفعل فكيف يقول
{فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..} [النحل: 1] قالوا: لأن الله هو الذي قال (أتى) ولا أحدَ يستطيع أن يعترض عليه أو يمنعه أنْ يحقق ما أخبر به.
كذلك في قوله {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ..} [القمر: 1] فقد اقتربتْ بالفعل، إما ساعة كلّ إنسان حينما يأتي أجله وهذا قريب، أو الساعة العامة فهي أيضاً قريبة، لأن انشقاق القمر من علاماتها وبعثته صلى الله عليه وسلم من علاماتها.
ويُروى أن المكذبين لرسول الله قالوا له: إنْ كنتَ صادقاً فيما تخبر به فأتِ بآية الآن تدل على صِدْقك، قالوا: الوليد بن المغيرة وأبو جهل بنَ هشام والعاص بن وائل، والعاص بن ربيعة، والأسود ابن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب، وربيعة بن الأسود، والنضر بن الحارث.