{إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} قال ابن عباس وقتادة ومقاتل، وغيرهم: إنما وصف بأنهم كانوا أظلم وأطغى من غيرهم لطول دعوة نوح إياهم، وعتوهم على الله في المعصية والتكذيب، ولم يطل مقام أحد من الأنبياء في دعوة قومه كما طال مقامه، وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] وكان الرجل منهم يأخذ ابنه فينطلق به إلى نوح فيقول له: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا وأنا مثلك فاحذره فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه.
53 -قوله تعالى: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} قال الفراء: كل شيء انهوى وانخسف فقد ائتفك.
وقال أبو عبيدة: المؤتفكة المخسوف بها ائتفكت بأهلها، وقد تقدم تفسير المؤتفكات.
وهي قرى قوم لوط رفعها جبريل بجناحه إلى السماء حتى سمعت ملاكة سماء الدنيا أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم قلبها فهوت من السماء إلى الأرض مقلوبة، فذلك قوله: (أهوى) أي: أهلك، وتفسيره: أسقط، هوى إذا سقط، وأهواه أسقطه، وقد مر في قوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} ، والمعنى: أهواها جبريل إلى الأرض بعد أن رفعها، وقال المبرد: جعلها تهوي.
وقال الفراء: رفعها إلى السماء، ثم أهواها وأتبعهم الله بالحجارة، فذلك قوله تعالى:
54 - {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} ، أي: فغشاها الله وألبسها ما غشى، يعني: الحجارة في قول جميع المفسرين.
وأيهم ذكر ما غشاهم؛ لأنه ذكر ذلك في قوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [الحجر: 74] .
وقال ابن الأنباري: تأويله فغشى الله المؤتفكات الذي غشي غيرهم من الأمم السالفة؛ لأنه قد تقدم ذكر عاد وثمود، وقوم نوح ممن أهلك بالعذاب، وكأن التأويل ما غشى الأمم السالفة، فحذف الأمم لتقدمهم وبيان معناهم.