الوجه الثاني: أن هذا -إن صح- فهو حجة لما قلناه، فلو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن كتابة الأحاديث مطلقًا؛ لما هم بها عمر ولما أشار عليه الصحابة بها، وأما عدوله عنها فلسبب آخر، كما رأيت.
الوجه الثالث: أنه -إن صح- أيضًا؛ فإنما كانت تلك الخشية في عهد عمر، ثم زالت، وقد قال عروة نفسه:"وكنا نقول لا نتخذ كتابًا مع كتاب الله، فمحوت كتبي، فوالله لوددت أن كتبي عندي، وإن كتاب الله قد استمرت مريرته (1) "يعني قد استقر أمره، وعلمت مزيته، وتقرر في أذهان الناس أنه الأصل، والسنة بيان له، فزال ما كان يخشى من أن يؤدي وجود كتاب للحديث؛ إلى أن يكب الناس عليه، ويدعوا القرآن.
الخامس: وما روي عن يحيى بن جعده: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب إلى الأمصار من كان عنده شيء؛ فليمحه.
السادس: ما روى عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يملى على أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال: فمنعني القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثًا.
السابع: ما روي عن جابر بن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليًا يخطب يقول: أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه؛ فإنما هلك الناس حين تتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم).
والجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: الأثر لا يصح؛ فلا يحتج به.
الوجه الثاني: أنه إن صحت هذه الحكاية؛ فإنما قال: (أحاديث علمائهم) ولم يقل: (أحاديث أنبيائهم) ، وكلمة (حديث) بمعنى: (كلام) ، واشتهارها فيما كان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- اصطلاح متأخر، وقد كان بعض الناس يثبتون كلام علي في حياته، وفي مقدمة صحيح مسلم، عن ابن عباس ما يعلم منه أنه كان عنده كتاب فيه قضاء علي، منها ما عرفه ابن عباس، ومنها ما أنكره، ولفظه:"فدعا بقضاء علي، فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل".
ثم ذكر عن طاوس قال:"أتى ابن عياش بكتاب فيه قضاء علي ...".