الوجه الحادي عشر: أن القائلين بهذه العقيدة الباطلة لو قيل لهم: إن العكس هو الصواب؛ لما استطاعوا رده؛ فإنه من الممكن أن يقال: لما كان كل من العقيدة والعمل يتضمن أحدهما الآخر، فالعقيدة يقترن معها العمل، والعمل يقترن معه عقيدة - على ما بيناه آنفا -، ولكن بينهما فرقًا واضحًا من حيث إن الأول إنما هو متعلق بشخص المؤمن، ولا ارتباط له بالمجتمع، بخلاف العمل؛ فإنه مرتبط بالمجتمع الذي يحيا فيه المؤمن ارتباطًا وثيقًا، فبه تستحل الفروج المحرمة في الأصل، وتستباح الأموال والنفوس، فالأمور العملية من هذه الوجهة أخطر من الأمور الاعتقادية.
ومثال ذلك: رجل مات وهو يعتقد بأن سؤال الملكين أو ضغطة القبر حق، بناء على حديث آحاد، وآخر يعتقد استباحة شرب قليل من النبيذ المسكر كثيره، أو يستحل نكاح
التحليل - الذي يقول بإباحته بعض المذاهب؛ لدليل ظني ظهر لهم، ولكنه ظني طبعًا - ومات على هذا، والواقع أن كلا من الرجلين كان مخطئا بشهادة السنة الصحيحة، فأيهما كان حاله أخطر على المجتمع؟ الذي كان واهمًا في اعتقاده، أم الآخر الذي كان واهما في استباحته الفروج والشراب المحرمين؟
الوجه الثاني عشر: أن طرد قولهم بهذه العقيدة، وتبنيها دائمًا؛ يستلزم تعطيل العمل بحديث الآحاد في الأحكام العملية أيضًا، وهذا باطل لا يقولونه هم أيضًا به، وما لزم منه باطل؛ فهو باطل.
وبيانه: أن كثيرًا من الأحاديث العملية تتضمن أمورًا اعتقادية، فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لنا:"إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير، فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال".
ومثله أحاديث كثيرة لا مجال لاستقصائها الآن، فالقائلون بهذا القول إن عملوا به هنا، وتركوا العمل بهذا الحديث؛ نقضوا أصلًا من أصولهم، وهو وجوب العمل بحديث الآحاد في الأحكام، ولا يمكنهم القول بنقضه، لأن جل الشريعة قائم على أحاديث الآحاد.
وإن عملوا بالحديث -طردا للأصل المذكور-، فقد نقضوا به ذلك القول.