وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِالْمِرَّةِ: صِحَّةَ الْجِسْمِ وَسَلَامَتَهُ مِنَ الْآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ، وَالْجِسْمُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ مِنَ الْإِنْسَانِ، كَانَ قَوِيًّا، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمِرَّةَ وَاحِدَةُ الْمِرَرِ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ: ذُو مِرَّةٍ سَوِيَّةٍ وَإِذَا كَانَتِ الْمِرَّةُ صَحِيحَةً، كَانَ الْإِنْسَانُ صَحِيحًا وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»
وَقَوْلُهُ: {فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى}
يَقُولُ: فَاسْتَوَى هَذَا الشَّدِيدُ الْقُوَى وَصَاحِبُكُمْ مُحَمَّدٌ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، وَذَلِكَ لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَوَى هُوَ وَجِبْرِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِمَطْلَعِ الشَّمْسِ الْأَعْلَى، وَهُوَ الْأُفُقُ الْأَعْلَى، وَعَطَفَ بِقَوْلِهِ: «وَهُوَ» عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ: «فَاسْتَوَى» مِنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْأَكْثَرُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا أَرَادُوا الْعَطْفَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يُظْهِرُوا كِنَايَةَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُوا: اسْتَوَى هُوَ وَفُلَانٌ، وَقَلَّمَا يَقُولُونَ اسْتَوَى وَفُلَانٌ
وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُ أَنْشَدَهُ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ ... وَلَا يَسْتَوِي وَالْخَرْوَعُ الْمُتَقَصِّفُ
فَرَدَّ الْخَرَوَعَ عَلَى «مَا» فِي يَسْتَوِي مِنْ ذِكْرِ النَّبْعِ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا} فَعَطَفَ بِالْآبَاءِ عَلَى الْمَكْنِيِّ فِي كُنَّا مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ نَحْنُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَاسْتَوَى وَهُوَ} ،
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُسْتَوِي: هُوَ جِبْرِيلُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَا مُؤْنَةَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَهُوَ} مِنْ ذِكْرِ اسْمِ جِبْرِيلَ، وَكَأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ وَجَّهَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَاسْتَوَى} : أَيِ ارْتَفَعَ وَاعْتَدَلَ.
عَنْ قَتَادَةَ:"وَالْأُفُقُ: الَّذِي يَأْتِي مِنْهُ النَّهَارُ".
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) }