قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ اتبعوا الباطل} أي: الأمر ذلك ، وقيل المعنى: ذلك الضلال والهدى المتقدم ذكرهما ، من أجل أن الذين كفروا اتبعوا الباطل ، وهو الشيطان وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق الذي جاءهم من عند ربهم ، وهو كتاب الله ورسوله.
والتقدير عند الطبري: هذا الذي فعلنا بهذين الفريقين من إضلال أعمال الكفار وإبطالها والتكفير لسيئات الذين آمنوا ، جزاء منا لكل فريق على فعله ، لأن الكفار اتبعوا الشيطان وأطاعوه والمؤمنون اتبعوا كتاب الله وصدقوا رسوله.
قال مجاهد: الباطل هنا: الشيطان.
ثم قال: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} أي: كما / بيّنت لكم أيها الناس سبب تفريقي بين الفريقين ، كذلك أمثل لكم الآيات وأشبه لكم الأشباه.
قال الزجاج: معناه كذلك يبيّن الله للناس أمثال المؤمنين وسيئات الكفار
كالبيان الذي ذكر.
ومعنى قول القائل:"ضربت له مثلاً: بينت له ضرباً من الأمثال"، أي: صنفاً منها.
قال: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب} .
أي: فاضربوا رقابهم حتى يؤمنوا . والتقدير: فاضربوا الرّقاب ضرباً ، وهذا المصدر الذي يقوم مقام الفعل يجوز أن ينون وأن يقدم عليه مفعوله ولا صلة له ، وإنما تكون له صلى إذا كان بمعنى"إن فعل"و"إن يفعل".
ثم قال: {حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق} .
أي: حتى إذا غلبتموهم وقهرتموهم بالقتل ، وبقيت منهم بقية أسرى في أيديكم لم يلحقهم قتل ، فشدوهم في الوثاق كيلا يهربون.
{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} .
أي: فإذا أسرتموهم بعد الإثخان بالقتل ، فإما أن تمنوا عليهم مناً ، فتحرروهم بغير عوض ولا فدية ، وإما أن تفادوهم ، فتأخذوا منهم عوضاً وتطلقوهم .
قال الزجاج:"أثخنتموهم: أكثرتم فيهم القتل ، ومنه قول: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض} [الأنفال: 67] ."